في معنى قولِه تعالى “اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ”

مهما نظنُّ أننا قادرون على أـن نُحدِّدَ “المواصفاتِ” التي لابد من توافُرِها حتى يكونَ لواحدٍ من بني آدم أن يُصبِحَ من أنبياء اللهِ المُرسَلين، فإنَّ ما جاءنا به قرآنُ اللهِ العظيم من قصَصهم يدحَضُ ذلك ويفنِّدُه. فنحنُ نظنُّ أنَّ النبيَ المُرسلَ لابد وأن يكون كذا ولا يمكن أن يكونَ كذا! وهذا ما لا يتفقُ على الإطلاقِ مع ما بوسعِنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِ قصَصِ أنبياءِ الله المرسَلين كما جاءنا بها قرآنُ اللهِ العظيم. فيكفينا أن نستذكرَ ما كان عليه سيدُنا موسى عليه السلام من مواصفاتٍ فصَّلتها لنا سورةُ الأعراف وسورةُ طه وسورةُ القصص حتى يتبيَّنَ لنا أنَّ الأمرَ لا يمكنُ على الإطلاق أن يكونَ كما نظنُّ ونتوهم: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (150 الأعراف)، (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا. أَلَّا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي. قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي) (92- من 94 طه)، (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) (15 و19 القصص).
فعقولُنا لا يمكنُ لها أن تستسيغَ أبداً أن يكونَ النبيُّ المُرسَل على ما كان عليه سيِّدُنا موسى عليه السلام من غضبٍ وسرعةِ اهتياج ومسارعةٍ إلى الحكمِ قبل تبيُّنِ البراهين والأدلة! ولكن هل الأمرُ لنا حتى يكونَ ما تقولُ به عقولُنا ما يجعلُنا قادرين على أن نُحدِّدَ أين ينبغي وأين لا ينبغي أن يجعلَ اللهُ رسالتَه؟!
يُجيبُنا القرآنُ العظيم على ذلك بما جاءتنا به سورةُ الأنعام في الآية الكريمة “اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ”.
يتبيَّنُ لنا إذاً بتدبُّرِ ما تقدَّم أنَّ عقولَنا تُبرهنُ على قصورِها وعجزِها ومحدوديةِ تفكيرِها بهذا الذي تحكمُ به على مَن كانت هذه هي مواصفاتُهُ غضباً وسرعةَ اهتياجٍ ومسارعةٍ إلى إدانةِ الآخرين قبل تبيُّنِ ما يؤيِّدُ ذلك بأنَّهُ لا يمكنُ على الإطلاق أن يكونَ أهلاً لأن يختارَه اللهُ فيجعلَه نبيَّهُ ورسولَه وكليمَه ومَن أيَّدَه بتسعٍ من آياتِه الكبرى!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s