متى يكونُ الواحدُ منا قد أخفقَ في تربيةِ ذريته؟

قد نظنُّ أنَّ علامةَ إخفاقِ الواحدِ منا في تربيةِ ذريَّتِه هي هذا الذي آلَ إليه أمرُهم، أما وقد استحالَ عليهم أن يتبيوَّئوا هذا المنصبَ أو ذاك من المناصبِ التي تؤمِّنُ لصاحبِها رغيدَ العَيش والمكانةَ المرموقةَ في المجتمع. وظنٌّ كهذا لا يستقيمُ على الإطلاق مع ما جاءنا به دينُ اللهِ تعالى. فاللهُ تعالى ما أمرَنا بأن نُعلِّمَ ذرياتِنا أن ينشغلوا بهذه الحياةِ الدنيا فحسب حتى يكونَ برهانُ إخفاقِنا في تربيتِهم هو فشلُهم في أن يكونوا من صفوةِ أهلِها ثراءً ومنزلةً إجتماعية!
وفي هذا المنشور سوف أُقدِّمُ تذكيراً بما يتوجَّبُ على الواحدِ منا أن يحرصَ الحرصَ كلَّه على أن يتذكرَه على الدوام مما هو ذو صلةٍ بما يتعيَّنُ عليه القيامُ به حتى لا يكونَ الإخفاقُ هو ما سيؤولُ إليه أمرُ تربيتِه لذريِّتِه.
بدايةً لابد لنا من ألا ننسى أنَّ اللهَ تعالى ما خلقنا لهذه الدنيا لننشغلَ بها عنه وعن آخرتِنا. ولقد حرصَ أنبياءُ اللهِ تعالى، والصالحون من الذين اتَّبعوهم بإحسان، على أن يتوجَّهوا إلى اللهِ تعالى بالدعاء لأن يكونَ هو مَن يتكفَّلُ بصلاحِ ذُريَّاتِهم هِدايةً لهم إلى صراطِه المستقيم. فسيدُنا إبراهيم وسيدُنا إسماعيل عليهما السلام دعوا اللهَ تعالى (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيم) (128 البقرة).
وفي هذا السياق ينبغي لنا أن لاض ننسى ما وصَّى به كلٌّ من سيِّدِنا إبراهيم وسيِّدِنا يعقوب بَنيه من وجوبِ أن لا يفارقُوا دينَ اللهِ تعالى حتى يفارقَ واحدُهم الحياة (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (132 البقرة).
كما ولا ينبغي علينا أن ننسى ما حرصَ سيِّدُنا يعقوب على أن يُذكِّرَ به بَنيه من ألا يتخذوا غيرَ اللهِ الواحدِ الأحد إلهاً (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (133 البقرة).
ولقد فصَّلت لنا آياتٌ قرآنيةٌ كريمةٌ كثيرة ما كان من أمرِ الصالحين مع ذُرِّياتِهم. ويكفينا في هذا السياق أن نستذكرَ ما وعظَ به لقمانُ الحكيم إبنَه من جميل عِظةٍ بيَّنت مفرداتِها سورةُ لقمان في آياتِها الكريمة 13- 19. كما ولا ينبغي أن يفوتَنا ما كان أولو الألباب يدعونَ اللهَ تعالى به من دعاءٍ حفظته لنا سورةُ الفرقان في آيتِها الكريمة 74 (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ).
وهنا لابد من أن نَلمَحَ أنَّ “قرةَ أعيُنِ أولي الألباب” لا يمكنُ أن تكونَ إلا الذريةَ التي لا يتأتَّى للمرءِ أن يحظى بها ما لم يتدخَّل اللهُ فيُصلِحَ له فيها (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (من 15 الأحقاف).
إنَّ صلاحَ ذُرِّياتِنا أمرٌ جلَلٌ عظيم، وإلا لما توجَّهَ اللهُ تعالى إلينا بتحذيرٍ شديدِ اللهجةِ تكادُ ترتعدُ منه الفرائصُ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (6 التحريم).
يتبيَّنُ لنا إذاً بتدبُّرِ ما تقدَّم أنَّ واحدَنا إذا ما أرادَ ألا يُخفِقَ في تربيةِ ذريتِه، فإنَّ ما يتوجَّبُ عليه أن يقومَ به هو أن يحرصَ على أن تصِلَ إليهم رسالةُ دينِ اللهِ تعالى والتي بالإمكانِ إيجازُها بالكلماتِ القليلةِ التالية: “إن الإنشغالَ بهذه الحياة الدنيا لا ينبغي أن يُشغِلَنا عن الله واليومِ الآخر”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s