بشريةُ الأنبياء وإلهيةُ القرآنِ العظيم

يظنُّ كثيرٌ منا أنَّ الأنبياءَ قد خُلِقوا من طينةٍ غيرِ تلك التي خُلِق منها باقي البشر، وذلك حتى نُعلِّلَ لهذا الذي هم عليه من سموٍ وترفُّعٍ وتفوُّق! غير أنَّ هذا الظنَّ يُفنِّدُه قولُ رسولِ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم “كلُّكم لآدمَ وآدمُ من تراب”. فالأنبياءُ بشرٌ كغيرِهم من البشر، غيرَ أنَّ العلةَ من وراءِ تمايُزِهم عن باقي البشر هي ما اختصَّهم اللهُ تعالى به من رحمةٍ هو أدرى وأعلم لماذا كتبها لهم (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (من 124 الأنعام)، (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) (من 11 إبراهيم).
ولقد ذكر القرآنُ العظيم بعضاً من الصفات التي تعيَّن على الإنبياءِ ألا تفارقهم طالما كانوا بشراً. ومن بين هذه “الصفات البشرية” التوجُّسُ والخوفُ والوجلُ والفزع. فسيدُنا إبراهيم، على سبيل المثال، لم يكن بمقدورِه أن يتعرَّف على الملائكة الذين أرسلهم اللهُ تعالى فظنَّ أنَّهم ضيوفٌ يتعيَّنُ عليه أن يُحسن وفادتَهم، فكان أن قدَّم لهم طعاماً (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) (70 هود).
كما أنَّ سيدَنا لوطاً لم يتبيَّن هو الآخر أن مَن وفدَ إليه كانوا ملائكةً لا بشراً، فما كان منه إلا أن قال ما حفظته لنا سورةُ العنكبوت في آيتِها الكريمة 33 (وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) (33 العنكبوت).
ولم يكُن سيدُنا داود عليه السلام بأكثرَ قدرةٍ من سيدِنا إبراهيم وسيدِنا لوط عليهما السلام على أن يتبيَّنَ أنَّ مَن تسوَّر محرابَه كانا ملَكَين، من الملائكة، أرسلَهما اللهُ تعالى حتى يحولا دون أن يُقدِمَ على ما كان ينوي القيامَ به. فظنَّ عليه السلام أنَّهما بشرَان يريدان به شراً ففزِع منهما (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ) (21- 22 ص).
يتبيَّنُ لنا إذاً بتدبُّرِ هذه الأمثلةِ القرآنيةِ الثلاث أنَّ “بشريةَ الأنبياء” حقيقةٌ أكَّدَها القرآنُ العظيم، وجعلَها آيةً تشهدُ له بأنه لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غير الله. فلو أنَّ هذا القرآنَ كان من عندِ غيرِ الله، أما كان كاتبُه ليُبالِغَ في توصيفِ الأنبياءِ فلا يجعلَ هنالك أيَّ تشابُهٍ بينهم وبينَ باقي البشر، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمرِ بما هو معروفٌ عن البشرِ من صفاتٍ نظنُّ أنَّها مما لا ينبغي أن يتَّصِفَ بها الأنبياء؟!

One comment

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s