ملائكةُ السكينة… ملائكةُ غزوةِ بدر الكبرى

ليس ملائكةُ اللهِ تعالى كلُّهم سواء، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بمقامِ كلٍّ منهم، وبما أُسنِدَ إليهم من مهام (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ) (164 الصافات). ونخطئُ إذ نظنُّ أن الملائكةَ الذين أنبأنا القرآنُ العظيم بشأنهم في سورتَي الأنفال وآل عمران قد أنزلهم اللهُ تعالى ليُقاتلوا الذين كفروا (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِين) (9 الأنفال)، (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ . بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) (124- 125 آل عمران).
فهذا ظنٌّ لا يستقيمُ مع ما بوسعِ تدبُّرِ “آياتِ القتال” في القرآنِ العظيم أن ينتهيَ بنا إليه من أنَّ الأمرَ إذ لا علاقةَ له بدورٍ للملائكةِ في قتالِ الذين كفروا، فإنه يكشفُ لنا بالمقابل النقابَ عن العلةِ من وراءِ تأييد اللهِ تعالى للذين آمنوا بهؤلاء الملائكة. وهذا هو ما بوسعِنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا ما فصَّلته لنا سورةُ الأنفال في الآية الكريمة 12 منها (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ). فهذه الآية الكريمة تنطوي على “أمرَين إلهيين” اثنين أولهما موجَّه إلى الملائكة بأن يثبتوا الذين آمنوا فلا يدعوا الخوفَ يتسلَّلُ إلى قلوبِهم، وذلك لما سيُشيعُه حضورُهم من سكينةٍ ستمتلئُ بها أجواءُ ساحةِ القتال؛ سكينةٌ ليس بمقدورِ أحدٍ أن يستشعرَها إلا مَن كان مؤمناً حقاً. أما ثاني هذين الأمرَين، فهو موجَّه إلى الذين آمنوا بأن يجدَ الذين كفروا فيهم غِلظةً فيضربوا من الذين كفروا فوق الأعناق ويضربوا منهم كلَّ بنان. صحيحٌ أنَّ هذه الآية الكريمة قد اشتملت على هذين الأمرَين الإلهيين الجليلَين، إلا أننا نخطئُ إن ظنَنَّا أن هذين الأمرَين موجَّهان إلى الملائكة فحسب.
يتبيَّنُ لنا إذاً بتدبُّرِ ما تقدَّم أنَّ تواجدَ الملائكةِ في سوحِ الوغى كان يهدفُ إلى “تثبيت” الذين آمنوا وتأييدِهم بالسكينة والطمأنينة حتى لا يجدَ الخوفُ والوجلُ والتردُّدُ والإحجامُ وسوءُ الظن إلى قلوبهم سبيلاً. فيكفينا في هذا السياقِ أن نستذكرَ ما جاءتنا به سورتا التوبة والفتح من تبيانٍ لما لحضورِ الملائكةِ من قدرةٍ على بثِّ السكينة في قلوبِ المؤمنين. فنقرأ في الآية الكريمة 40 من سورة التوبة (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا). فهؤلاء الجنود كانوا ملائكةً لم يُرسلهم اللهُ تعالى حتى يقاتِلوا مَن كان خارج الغار من الكفار، ولكنهم أُرسِلوا وأُنزِلت معهم السكينة التي ثبَّتَت رسولَ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم في الغار. بينما نقرأ في الآية الكريمة 4 من سورة الفتح (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا). فهذه الآيةُ الكريمة تُبيِّنُ لمُتدبِّرِها دور “ملائكةِ السكينة” في تنزُّلِ السكينةِ على المؤمنين تنزُّلاً سيجعلُ قلوبَهم عامرةً بكلِّ ما من شأنِهِ أن يُثبِّتَها في ساحة الوغى عندما يجابهون عدوَّ اللهِ وعدوَّهم.
إذاً فالملائكة الذين أيَّدَ اللهُ تعالى بهم رسولَه صلى الله تعالى عليه وسلم في الغار، والذين أيَّدَ بهم الذين آمنوا في غزوةِ بدر الكبرى، كانوا من طائفة “ملائكة السكينة”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s