لماذا يُشدِّدُ القرآنُ العظيم على أن أموالَنا وأولادَنا فتنةٌ لنا؟

خلقَ اللهُ تعالى الإنسانَ للحياةِ الآخِرة ولم يخلقه لهذه الحياةِ الدنيا، وذلك كما يظنُّ أهلُها! ولأنَّ الإنسانَ لم يُخلَق لهذه الحياةِ الدنيا، فلقد تعيَّنَ عليه أن يفتِنَه اللهُ ويبتلِيَه تمييزاً وتمحيصاً سوف يُصارُ بمقتضاهما إلى تحديدِ مصيرِهِ خلوداً في النار أو خلوداً في الجنة. ولقد تعدَّدت طرائقُ “الفتنةِ والابتلاء”، وذلك إحكاماً من اللهِ تعالى لقبضَتِهِ على الإنسانِ الذي لم يُقدَّر له أن يعلمَ ما كان اللهُ قد واراهُ عنه من غيبٍ في هذه الحياةِ الدنيا.
ومن بين طرائقِ الفتنةِ والابتلاءِ هذه ما عرَّفنا به قرآنُ اللهِ العظيم في الآية الكريمة 15 من سورة التغابن (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ). فالمالُ والبنونَ هما زينةُ هذه الحياةِ الدنيا (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (من 46 الكهف)، وليس في ذلك ما يدعونا إلى أن نكتفيَ بما جاءتنا به هذه الآيةُ الكريمة وننسى ما جاءتنا به سورةُ المنافقون في الآية الكريمة 9 منها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ). فنحن نقرأُ الآيةَ الكريمة 46 من سورة الكهف أعلاه قراءةً تفتقِرُ إلى التدبُّر وذلك لأننا نجتزئُ منها ما نظنُّ ونتوهَّمُ أنَّه “دليلُنا القرآني” على جوازِ التفاخر والتكاثر بالمال والبنين، وننسى أن قراءتَها بتدبُّرٍ تقتضي منا أولاً وجوبَ أن نقرأَها كاملةً دون اجتزاءٍ أو تبعيض (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا).
ثم مَن قالَ إنَّ ما خلقَ اللهُ تعالى لنا من زينةٍ لا ينطوي على الابتلاء؟ ألم يقُلِ اللهُ تعالى لنا (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (7 الكهف)؟
يتبيَّنُ لنا إذاً بتدبُّرِ ما تقدَّم أنَّ اللهَ تعالى قد ابتلانا بأموالِنا وأولادِنا وذلك ليبلوَنا أيُّنا أحسنُ عملاً، وليتبيَّنَ مَن مِنا لم يشغله مالُه وولدُه عن ذكرِ اللهِ وذكرِ اليوم الآخر، وأنَّ الأمرَ لا علاقةَ له من قريبٍ أو بعيد بما نُصِرُّ على القولِ به من أنَّ اللهَ تعالى خلقَ المالَ والبنين وأجاز لنا أن نستمتعَ بهما وننسى أنَّ استمتاعَنا هذا هو أولُ خطوةٍ على طريقِ “التفاخُرِ والتكاثرِ” اللذين نهانا اللهُ تعالى عنهما! فيكفينا أن نستذكرَ ما جاءتنا به سورةُ الحديد في الآية الكريمة 20 منها (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ)، وأن نستذكرَ ما جاءتنا به سورةُ سبأ في آيتَيها الكريمتين 34- 35 (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ. وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s