الحضور الإلهي في حياةِ الصالحين

ما كان اللهُ تعالى ليجعلَ حياةَ الصالحين من عبادِه وحياةَ سواهم سواء (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (21 الجاثية). فيكفينا أن نستذكرَ ما جاءَنا به القرآنُ العظيم من عجيبِ قصَصِ عبادِ اللهِ الصالحين وغريبِها حتى يتبيَّنَ لنا كم هي متمايزةٌ حياتُهم عن حياةِ سواهم ممن آثروا الانشغالَ عن اللهِ بدُنياهم.
وفي هذا المنشورِ سوف أتطرَّقُ إلى ما حفِظَته لنا سورةُ البقرة من قصَصِ “الذي مرَّ على قرية” فكان أن أشهدَه اللهُ ما هو كفيلٌ بجعلِ قلبِهِ يطمئنُّ إلى أنَّه تعالى مُحيي الموتى حقاً وباعثُهم يوم القيامة (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (259 البقرة). فالأمرُ لم يتطلَّب من هذا العبد الصالح غيرَ أن يتساءل “أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا” حتى جاءه الجواب، وبما لم يكن ليخطرَ له على بال!
وسوف أُعرِّجُ في هذا المنشورِ أيضاً على “حضورٍ إلهي” آخر تسنَّى لأصحابِ الكهفِ أن يكونوا شاهدين عليه. فما أن دعا أصحابُ الكهفِ ربَّهم “رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا” (من 10 الكهف) حتى حدثَ ما لم يكن بالحُسبان، وذلك كما يتبيَّن لنا بتدبُّرِ ما حفظته لنا سورةُ الكهف من قصَصِ أصحاب الكهف (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) (11 الكهف). وهذه السنون التي تعيَّنَ على أصحابِ الكهفِ أن يلبثوها في كهفِهم قد كشفت سورةُ الكهفِ عن عِدَّتِها في الآية الكريمة 25 منها (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا).
يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ ما حدث لأصحابِ الكهف أنَّهم ما أن فرغوا من دعائهم حتى جاءتهم استجابةُ اللهِ تعالى فباعدت بينهم وبين قومِهم الظالمين مدةَ 309 أعوام! (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) (10 الكهف).
إذاً فللهِ تعالى حضورٌ في حياةِ الصالحين من عبادِه يجعلُها تتمايزُ عن حياةِ سواهم بهذا الذي لها أن تزخرَ به من عجيبِ الأمورِ وغريبِها، وبما يكشفُ لنا النقابَ عن حقيقةٍ مفادُها أنَّ أولئك الذين تجرَّأو على القولِ بأن “اللهَ غيرُ موجود” قد اقترفوا “جنايةً منطقية”، وذلك لأن الدليلَ على أنَّ “الله موجود” لا سبيل للوقوعِ عليه إلا إن كنتَ من عبادِه الصالحين الذين اختصَّهم بما جعلَ من حياتِهم يتجلى فيها على وجودِه من الأدلةِ والبراهين ما هو كفيلٌ بأن يُفنِّدَ ويدحضَ ما ذهبَ إليه مَن تجاسرَ على القول بأن اللهَ غير موجود!
فكيف يُريدُ مَن يقولُ بأنَّ “اللهَ غيرُ موجود” أن يأتيه البرهانُ على أن اللهَ موجودٌ بعدها؟!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s