في معنى قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم “كفى بالمرءِ إثماً أن يُضيِّعَ من يَعُول”

ما الذي قصدَ إليهِ رسولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم بقولِه “كفى بالمرءِ إثماً أن يُضيِّعَ من يَعُول”؟
يظنُّ البعضُ أنَّ الأمرَ متعلِّقٌ بما يتعيَّنُ على ربِّ الأسرةِ أن يقومَ به تلقاءَ أُسرتِه، زوجةً وذرية، من حرصٍ على أن يؤمِّنَ لهم ما يكفيهم، مسكناً ومأكلاً ومشرباً وملبساً، فحسب! وهذا هو أبعدُ ما يكون عن مُرادِ ومقصدِ رسولِ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم. فأن يتكفَّلَ المرءُ بما يكفي أهلَه، زوجةً وذُرية، حتى يكونوا أفراداً صالحين في المجتمع هو أمرٌ لا يحتاجُ من رسولِ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم التأكيدَ والتشديدَ عليه طالما كان الإنسانُ قد خلقَه اللهُ مجبولاً على أن يبذلَ كلَّ ما يستوجبُهُ الأمرُ من جهدٍ ومالٍ ووقت حتى يؤمِّنَ لعائلتِه ما يكفيها.
إذاً فالأمرُ، إذ لا علاقةَ له بما تقدَّم، لابد وأن يكونَ موصولاً بما كشفه لنا دينُ اللهِ تعالى من حقيقةِ هذه الحياةِ الدنيا التي لم يخلقنا اللهُ تعالى حتى تكونَ هي “أكبرَ همِّنا ومبلغَ علمِنا”. فيكفينا أن نتدبَّرَ قولَ رسولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم “كفى بالمرءِ إثماً أن يُضيِّعَ من يَعُول” على ضوءِ ما جاءتنا به سورةُ التحريم في الآية الكريمة 6 منها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ). فحتى لا نكونَ “ممَّن يُضيِّع مَن يعول”، فإنَّ ذلك يقتضي منا وجوبَ أن نحرصَ على أن نَقِيَ “مَن نَعول” النارَ، وذلك بأن نعملَ كلَّ ما من شأنِهِ أن يجعلَ لهم الأمرَ واضحاً جلياً لا لَبسَ فيه ليُدركوا أنَّهم لم يُخلقوا لهذه الحياةِ الدنيا، وأنَّ عليهم أن يفعلوا كلَّ ما هو كفيلٌ بأن يُزحزحَهم عن النار.
فمَن مِمَّن نعرف مِمَّن بلغَ من الكِبَرِ عِتياً فعلَ ما فعله سيدُنا يعقوب عليه السلام وهو يُحتضر؟ (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون) (133 البقرة)
ومن منا اقتدى بسيدِنا إسماعيل عليه السلام الذي امتدحَه القرآنُ العظيم بقوله إنه (َكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) (من 55 مريم)؟
ومَن منا حذا حَذوَ سيدِنا لقمان الذي قال لإبنه وهو يعِظُهُ (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (13 لقمان)؟
إنَّ الأمرَ جَلَلٌ، وهو جَدٌّ وليس بالهزَل، وإلا لما كان اللهُ تعالى أمرَ سيدَنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بما جاءتنا به الآية الكريمة 132 من سورة طه (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا).
ولذلك فإنَّ على مَن يرومُ أن يكونَ من الذين كان لهم في رسولِ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم أسوةٌ حَسَنة “ألا يُضيِّعَ مَن يَعول” بهذا الانصرافِ منه عن التصرف بوعيٍ ومسؤوليةٍ حيالهم فينسى ما أمرَه به دينُ اللهِ تعالى من وجوبِ أن يُذكِّرهم بحقيقةِ هذه الحياةِ الدنيا وبأن يستعدوا للقاءِ اللهِ الذي سيُخلِّدنا في نارِ جهنم إن نحن لم نتَّقِه حقَّ تُقاتِه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s