في معنى قولِه تعالى “لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي”

ما الذي قصد إليه سيدُنا إبراهيم عليه السلام بقولِه الذي حفظته لنا سورةُ البقرة في الآية الكريمة 260 منها (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
يُعينُ على تبيُّنِ المعنى الذي تنطوي عليه العبارةُ القرآنيةُ الجليلة “لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي” أن نستذكرَ خِلقةَ الإنسان التي يكون لعقلِهِ بمقتضاها ما يجعلُهُ قادراً على ألا يجعلَ قلبَه يطمئنُّ إلى ما كان قد آمن به. فعقلُ الإنسانِ مجبولٌ على الجدال، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ ما جاءتنا به سورةُ الكهف في الآية الكريمة 54 منها (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا).
وعقلُ الإنسانِ، بهذا الذي جُبِلَ عليه من عدمِ قدرةٍ على نبذ الجدل، هو الذي يجعلُ قلبَه تتناوشُهُ الظنونُ وتنهشُه. ولن يُمكَّنَ الإنسانُ من أن يطمئِنَّ القلبُ منه إلا إذا ما قُدِّرَ لعقلِه أن يطمئنَّ قبلها. ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يُضطرَّ هذا العقلُ إلى أن يشهدَ ما لا قدرةَ له على أن يُعلِّلَ له وفقاً لما وقرَ لديه أنَّه قوانينُ هذا الوجودِ التي أعانته على فقهِ ما يحدثُ له وما يحدثُ حولَه من وقائع وأحداث وظواهر.
فسيدُنا إبراهيم لم يكن ليطمئنَّ قلبُهُ إلى أنَّ اللهَ مُحيي الموتى يومَ القيامة إلا إذا ما قُدِّرَ لعقلِهِ أن يشهدَ ما لا قدرةَ له على أن يُعلِّلَ له. وهذا هو عينُ ما حدث عندما نظرَ عليه السلام إلى السماءِ فرأى الطيور الأربع التي قطَّعَهن بيدَيه يُحلِّقنَ فوقَ رأسِه!
وهذا هو عينُ ما أرادهُ الحواريون عندما سألوا سيدَنا عيسى ابنَ مريم عليه السلام إن كان اللهُ يستطيعُ أن يُنزِّلَ عليهم مائدةً من السماء. فحتى يخرسَ العقلُ لابد من أن تضطرَّهُ معجزةٌ إلى الإقرارِ بعجزِه عن التعليل لها، ناهيك عن أن يكون بمقدورِه أن يأتيَ بمثلِها (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين. قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) (112- 113 المائدة).
وطمأنينةُ قلبٍ كهذه هي ما أنعمَ اللهُ تعالى به على المؤمنين إذ أيَّدهم بمدَدٍ من لدنه تجلى بما أرسلَ من ملائكتِه الكرام نصرةً لهم على عدوِّهم (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (9- 10 الأنفال)، (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (125- 126 آل عمران).
فعقلُ الإنسانِ إذا ما أقرَّ بعجزِهِ عن التعليلِ لما يراهُ ماثلاً أمام ناظرَيه من عجيبِ الأمورِ وغريبِها، لن يكونَ بمقدورِه بعدها أن يدلوَ بدلوِهِ فيُؤثِّرَ سَلباً على ما اختارَه القلبُ، وبذلك تترسَّخُ الطمأنينةُ في القلب وتتوطَّدُ أركانُها فيطمئنُّ بها ويصبح “قلباً مطمئناً”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s