ما الذي قصدَ إليه سيدُنا زكريا بقولِهِ “ربِّ اجعل لي آية”؟

لماذا سألَ سيدُنا زكريا اللهَ أن يجعلَ له آيةً ما أن بشَّرَه اللهُ بسيدِنا يحيى؟ (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا. قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا. قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا. قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) (7- 10 مريم).
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ما جاءتنا به سورةُ البقرة من قصَصِ سيدِنا طالوت عليه السلام (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ… وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (من 246- 248 البقرة).
فاللهُ تعالى لم يكتفِ بأن قالَ لنبيِّ بَني إسرائيل أن يُخبِرَ قومَه بأنه قد بعثَ لهم طالوتَ ملِكاً، ولكنه عزَّزَ قولَه هذا بأن جعلَ هنالك آيةً تشهدُ لطالوتَ بأنه هو مَن اختارَه اللهُ ليكون عليهم ملِكاً، فكان أن جعلَ الملائكةَ تأتيهم بالتابوت آيةً، فكان هذا التابوتُ آيةَ مُلكِه التي لن تملكَ عقولُهم حيالَها غير أن تصدِّقَ بأنه عليه السلام هو حقاً الملِك الذي سألوا اللهَ أن يبعثَه لهم.
وقياساً على ذلك، فإن بإمكانِنا أن نتبيَّنَ العلةَ من وراءِ سؤالِ سيدِنا زكريا اللهَ تعالى أن يجعلَ له آية. فسيدُنا زكريا كان يعلمُ علمَ اليقين ما يعنيه أن يكونَ له غلامٌ وامرأتُه عاقِر وقد بلغ من الكِبَر عِتياً من استحالةٍ لن يقهرَها إلا اللهُ وبتدخُّلٍ مباشرٍ من لدنه. ولكنه عليه السلام مع ذلك كان يدركُ أيضاً أنَّه بحاجةٍ إلى ما يُطمئِنُ قلبَه آيةً من عندِ اللهِ تعالى لا يملكُ العقلُ حيالها غيرَ أن يُصدِّقَ أنَّ مَن جاء بها قادرٌ على أن يأتيَه بغلامٍ قضت باستحالةِ أن يحظى به “قوانينُ الطبيعة” التي لم يُجوِّز اللهُ تعالى لها أن تسمحَ لامرأةٍ عاقرٍ وزوجِها الذي بلغ من الكِبَرِ عِتيا أن يحظيا بغلام. فكان أن استجابَ اللهُ تعالى له عليه السلام فأخبره بأنَّ الآيةَ التي سألَها ستكون بأن يعجزَ عن الكلامِ ثلاثَ ليالٍ من غيرِ داءٍ ولا علة.
فما أن خرجَ سيدُنا زكريا من المحرابِ حتى تبيَّنت له آيةُ اللهِ تعالى هذه، وذلك عندما لم يقوَ على مخاطبةِ قومِه فكان أن أشارَ إليهم بأن يُسبِّحوا بكرةً وعشياً (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) (11 مريم).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s