آباءٌ وأبناء بين ضلالةٍ واهتداء

لا يملكُ مَن يحرصُ على قراءةِ القرآنِ العظيم بتدبُّرٍ لآياتِه الكريمة غيرَ أن يعجبَ لهذه “النزاهةِ” التي ينفردُ بها السردُ القصصي لهذا القرآن. ومن ذلك أنَّك لا تجدُ في قَصَصِه الجليلة ما يوجِبُ على الإبنِ أن يحذوَ حذوَ أبيه، ولا على الأب أن يواليَ إبنَه إذا ما هو شذَّ عن عقيدتِه.
فإبنُ سيدِنا نوح أبى إلا أن يكون مع الكافرين، فحاقَ به ما حاقَ بهم من عذابِ الله: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ. قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (من 42- 43 هود).
وأبُ سيدِنا إبراهيم أبى أن ينتصحَ بنصيحةِ إبنه فكان من أصحابِ الجحيم: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا. يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا. يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا. قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا. قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا. وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) (41- 48 مريم).
ثم أنَّ سيدَنا إبراهيم تبرَّأ من أبيه، وذلك من بعدما تبيَّنَ له أنَّه عدوٌّ لله (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (114 التوبة).
إنَّ ما تقدَّم يكفي دليلاً وبرهاناً على أنَّ هذا القرآنَ لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله، وإلا لكنا وجدنا فيه ما يوافق النفسَ وينسجمُ مع هواها تناغماً بين الأبِ والإبن، والإبن والأب، ولما وجدنا فيه هذا التمايزَ والتناشزَ بين الأب المؤمن والإبن الكافر، وبين الإبن المؤمن والأب الكافر!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s