في معنى قوله تعالى “حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ”

ما كان لـ “أمرِ اللهِ” أن يُطِلَّ على الوجودِ إلا بأجَلٍ مأجول وبقدَرٍ مقدور. فهذا الوجودُ قد كفلَ له اللهُ تعالى أن تجريَ وقائعُهُ بـ “تسبيبٍ” مما سبقَ له وأن بثَّهُ فيه من أسبابٍ وقوانين، وذلك من دونِ أن يقتضي الأمرُ إطلالةَ “أمرِ اللهِ” هذا. ولكن هذا لا يُجوِّزُ لنا أن نظنَّ أن ليس هناك في هذا الوجودِ أحداثٌ لا قدرةَ لمخلوقٍ على التسبُّبِ في حدوثِها طالما كان أمرُ حدوثِها هذا موكولاً إلى “أمرِ الله” الذي وحدَه مَن بمقدورِه أن يتكفَّلَ بما يتطلَّبه حدوثُها هذا من مدَدِ الله.
ولذلك فلقد أمرَنا قرآنُ اللهِ العظيم بأن نصبرَ ونُصابِرَ ونصطبرَ ونُصبِّرَ عقولَنا وقلوبَنا “حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ”. فإذا كانت هذه الدنيا حافلةً بكلِّ ما من شأنِه أن يُنغِّصَ على العبدِ صفوَه، فإنَّ اللهَ تعالى يُريدُ من عبدِه هذا أن يكونَ موقِناً بأنَّه قادرٌ أنى يشاء على أن “يأتِيَ بأمرِهِ” فيزولَ ما كان يُكدِّرُ صفوَه هذا. فـأعظمُ ذنبٍ يقترفه العبدُ هو أن يظنَّ أن ليس بمقدورِ اللهِ تعالى أن يأتيَ بما هو كفيلٌ بتبديدِ كربِهِ وما يُكدِّرُ صفوَه.
يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ ما تقدَّم أنَّ الإيمانَ الحق يقتضي من العبدِ أن يكونَ موقِناً بأنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قدير، وأنَّ خيرَ ما يفعلُه العبدُ هو أن يصبرَ “حتى يأتيَ اللهُ بأمرِه” فيزولَ ما كان يكدِّرُ صفوَ حياتِه فيحيا الحياةَ الطيبةَ التي وعدَ اللهُ مَن عملَ صالحاً من عبادِهِ وهو مؤمن (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (97 النحل).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s