ما الذي جعلَ الملائكةَ يخاطبون اللهَ متساءلين: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) ما أن قال اللهُ لهم إنه “جاعلٌ في الأرضِ خليفة”؟

انتهيتُ في منشورٍ سابق عنوانُه “لماذا لم يتقبَّل الملائكةُ قولَ اللهِ لهم بأنه جاعلٌ في الأرض خليفة؟” إلى أنَّ الملائكةَ قد اضطربوا أشدَّ الاضطرابِ إثر تبلُّغِهم بأمرِ اللهِ تعالى بأنَّه “جاعلٌ في الأرضِ خليفة”، فما الذي جعلَ الملائكةَ يجدون في أمرِ اللهِ تعالى هذا مدعاةً للتعجُّبِ والاستغراب؟
يُعينُ على تبيُّن العلةِ من وراء ذلك أن نستذكرَ ما فصَّلته آياتٌ قرآنيةٌ عِدة بشأنِ المعنى الذي تنطوي عليه كلمة “خليفة” في القرآنِ العظيم. فـ “الخليفةُ” في القرآنِ العظيم هو مَن أبقى اللهُ تعالى عليه من بعدِ هلاكِ قومِه. ولنا فيما جاءَنا به القرآنُ العظيم من قصَصِ سيدِنا نوح وسيدِنا هود وسيدِنا صالح وسيدِنا لوط وسيدِنا شعيب عليهم السلام ما يُعينُ على تبيُّنِ ذلك.
إذاً فلقد أعربَ الملائكةُ عن دهشتِهم لهذا “الاستثناء الإلهي” الذي تعيَّنَ عليهم بمقتضاه أن يستثنوا واحداً بعيِنِه ممن كانوا يُفسدون في الأرضِ ويسفكون الدماء. فلماذا استُثني هذا الواحدُ خليفةً من دون قومه؟
إنَّ هذا الذي تجلَّى من اضطرابِ الملائكةِ، إثرَ قولِ اللهِ تعالى لهم بأن يستثنوا هذا الواحد “خليفةً”، ليُشيرُ إلى كونهم لم يُدركوا حينَها أنَّ هذا الواحدَ هو ذاتُه مَن كان اللهُ تعالى قد أمرهم بأن يسجدوا له حالَ اكتمالِ تخلُّقِه! ولو أنَّ الملائكةَ عنَّ لهم أنَّ هذا الذي أمرَهم اللهُ تعالى بأن يُبقوا عليه خليفةً من بعدِ إهلاكِ قومِه هو ذاتُه الذي تعيَّنَ عليهم أن يسجدوا له ما أن يكتملَ تخلُّقُه، لما كان منهم ما كان من اضطرابٍ وتعجُّبٍ ودهشةٍ واستغراب!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s