في معنى قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون)

عرَّف القرآنُ العظيم “المؤمنين” بأنهم أكثرُ عبادِ اللهِ خشيةً لله؛ فهم “العلماءُ” الذين امتدحتهم سورةُ فاطر في الآية الكريمة 28 منها (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ). وهم الذين امتدحتهم سورةُ المؤمنون في الآية الكريمة 57 منها إذ وصفتهم بأنهم (الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُون). وهم الذين امتدحتهم سورةُ الزمر في الآية الكريمة 23 منها فقالت في حقهم بأنهم الذين تقشعِرُّ جلودُهم من كتاب الله ثم تلين جلودُهم وقلوبُهم إلى ذكر الله (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ).
وهم الذين اختصَّهم اللهُ تعالى بما فصَّلته من شأنِهم سورةُ الأنفال في الآية الكريمة 2 منها (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون). وهنا قد يتساءلُ متدبِّرُ هذه الآيةِ الكريمة عن العلةِ من وراءِ هذا “التغيُّر المفاجئ” الذي يطرأ على حالِ “المؤمنين” فيرتقي بهم من الوجَل من الله إلى الاطمئنان إلى الله، وعن علةِ هذا الوجَل، وعلةِ هذا الاطمئنان.
يُعينُ على الإجابةِ على هذه الأسئلة الإجابةَ الشاملة أن نستذكرَ هذا الذي يتمايزُ به “المؤمنون” عن باقي عبادِ الله. فالمؤمنون هم أعرفُ العباد بـ “قدْر الله”، وذلك على قدْرِ تعلُّقِ الأمر بما عرَّفهم القرآنُ العظيم به من هذا القدر. ولذلك تراهم أشدَّ العبادِ خشيةً لله، وخوفاً منه، كيف لا وهو اللهُ الذي لا يأمنُ مكرَه إلا القومُ الخاسرون؟ (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) (من 99 الأعراف). أم كيف لا وهو اللهُ الذي تخافُه ملائكتُه وتخشاه؟ (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (49- 50 النحل).
إذاً فهذه هي علةُ وَجَلِ قلوبِ المؤمنين من الله. أما ما يطرأُ على حالِ قلوبِ المؤمنين من اطمئنان، وذلك من بعدِ تمكُّنِ هذا الوَجلِ منها بالتمامِ والكلية، فيعودُ إلى ما للقرآنِ العظيم من قدرةٍ على جعلِ مَن يتدبَّرُه من المؤمنين مطمئنَّ القلبِ إلى أنَّ اللهَ تعالى ما كان ليُضيعَ أجرَه (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) (من 143 البقرة)، (وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِين) (من 171 آل عمران)، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (من 120 التوبة).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s