في معنى قوله تعالى “وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ”

لا يملكُ مَن يتدبَّرُ القرآنَ العظيم غيرَ أن يخرجَ بنتيجةٍ مفادُها أنَّه كتابٌ يدعو إلى الإنشغالِ بالآخرة، كيف لا والآخرةُ حقٌّ لا ريبَ فيه وساعتُها آتيةٌ لا محالة؟! وقد يعترضُ البعض على ما أقولُ فيقولُ إنَّ القرآنَ كتابُ دنيا وآخرة، ولا ينبغي أن يُقالَ فيه إنه كتابُ آخرةٍ فحسب! ولو أنَّ مَن يذهب هذا المذهب قرأ القرآنَ العظيم بتدبُّرٍ لتبيَّنَ له خلافَ ما يذهبُ إليه. فالعجزُ عن تبيُّنِ حقائقِ القرآنِ العظيم هو قدَرُ كلِّ مَن يُصِرُّ على أن يقرأَ آياتِه الكريمة قراءةً تحرصُ على التحرُّرِ من ضوابطِها ومُحدِّداتِها؛ هذه الضوابطُ والمُحدِّدات التي يجدُ فيها مُؤلِّهو العقلِ والمُتعبِّدونَ له قيوداً لا تتَّفقُ مع هذا التأليه وهذا التعبُّد!
ولذلك فلقد انتهى أصحابُ “القراءةِ العقلانية” للقرآنِ العظيم إلى غيرِ ما كانوا ليخلصوا إليه لو أنَّهم لم يختلقوا هذا “السلطانَ العقلي”، ولم يفرضوه على آياتِه الكريمة! فكيف لا يكونُ القرآنُ العظيم “كتابَ آخرة”، ومتدبِّرُ آياتِه الكريمة لا يكادُ ينظرُ إلى صفحةٍ من صفحاتِه الشريفة دونَ أن يجدَ فيها ذكراً للآخرةِ أو لما يُذكِّرُ بها؟! ولذلك فلقد كان إنشغالُ القرآن بالآخرةِ، وبكلِّ ما يُذكِّرُ بها، للذين أوتوا العلمَ من قبلِهِ آيةً على أنَّ هذا القرآنَ لا يُمكِنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (6 سبأ).
كيف لا وأنت لا تجدُ في أيِّ كتابٍ من عندِ غيرِ الله انشغالاً بالآخرةِ يُضاهي انشغالَ القرآنِ العظيم بها؟ فكلُّ كتابٍ من عند غيرِ الله لا يملكُ إلا أن يكونَ مشغولاً تمامَ الانشغالِ بهذه الدنيا حتى وإن كان فيه شيءٌ من انشغالٍ مزعومٍ بالآخرة. ولذلك فلقد جاءتنا سورةُ الأنعام، وفي الآية الكريمة 92 منها، بنبأِ مَن هَداهُ إيمانُه بالآخرةِ إلى الإيمانِ بهذا القرآن (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ). فالذين يؤمنون بالآخرةِ من أهلِ الكتاب لا يملكونَ إلا أن يؤمنوا بهذا القرآنِ الذي يُبرهنُ انشغالُه بالآخرة على أنَّه لا يمكن أن يكون من عندِ غيرِ الله (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) (43 الرعد).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s