ومن الأنبياءِ مَن صُنِعَ على عينِ الله!

لا يملكُ متدبِّرُ القرآنِ العظيم غيرَ أن يعجبَ لهذا الذي تجلَّى من عجيبِ “أمرِ الله”، فكان لزاماً على قوانينِ الوجودِ وأسبابِه أن تأتمرَ بـه، فتجلَّت وقائع وأحداث وظواهر لا يكفي للتعليلِ لأيٍّ منها أن نستعينَ بكلِّ ما في الوجودِ من قوانينِ اللهِ وأسبابِه!
فلولا “أمرُ اللهِ” هذا ما كان لسيدِنا موسى عليه السلام أن “يُصنع على عينِ الله”، ولا أن “يصطنعَه اللهُ لنفسه” (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (من 39 طه)، (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) (41 طه). ولو أنَّ الأمر كان موكولاً لهذه القوانينِ والأسباب لما تأتَّى لسيدِنا موسى أن يُنجِّيَه اللهُ من فرعونَ الطاغية ويردَّه إلى أُمِّهِ، ولما تسنَّى له عليه السلام أن تدفعَ به رياحُ أقدارِ الله صوبَ ما سبقَ وأن خطَّته يدُ الله.
ولولا “أمرُ اللهِ” هذا لما كانت السيدةُ مريم لتحملَ بسيدِنا المسيح عليه السلام. فقوانينُ الوجودِ وأسبابُه كلُّها جميعاً عاجزةٌ تمام العجزِ عن أن تتسبَّبَ في هكذا حملٍ يتناقضُ بالتمامِ والكلية مع ما تقضي به هذه القوانينُ والأسباب وتحكم! فـ “أمرُ اللهِ” هذا هو الذي “تسلَّطَ” فكان لتسلُّطِهِ أن ينجمَ عنه مخلوقٌ يتناقضُ تخلُّقُه مع قوانينِ الوجودِ وأسبابِه تناقضاً يستعصي على الفهم استعصاءَه على التعليلِ له (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون) (47 آل عمران).
ولولا “أمرُ اللهِ” هذا ما كان للوجودِ أن يتشرَّفَ بولادةِ سيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم؛ هذه الولادةُ المباركةُ التي كانت في حقيقتِها استجابةً لدعوةِ سيدنا إبراهيم وسيدِنا اسماعيل عليهما السلام (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (129 البقرة). فـ “أمرُ اللهِ” هذا هو الذي تكفَّلَ بأن “يُصنَعَ” سيدُنا محمد على عينِ اللهِ صناعةً إلهيةً محكمةً جعلته صلى الله تعالى عليه وسلم الرجلَ الذي أرادهُ سيدُنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل وبالمواصفاتِ التي حدداها في دعائهما هذا. فقوانينُ الوجودِ وأسبابُه لا قدرةَ لها على أن تتسبَّبَ في ولادةِ مَن كانت هذه هي مواصفاتُه. فمواصفاتٌ كهذه لابد وأن يكونَ “أمرُ اللهِ” هو مَا تسبَّب في انبثاقِ صاحبِها إلى الوجودِ.
يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ ما تقدَّم أنَّ “أمرَ اللهِ” هو الذي كان لتدخُّلِه في سيرِ أعمالِ الوجودِ ما جعلَ من كلٍّ من سيدنا موسى وسيدنا عيسى عليهما السلام وسيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم على ما كانوا عليه من “تمايزٍ استثنائي” لا يمكنُ لقوانينِ الوجودِ وأسبابِه كلها جميعاً أن تُعلِّلَ له. ومن عجيبِ تصاريف أقدارِ اللهِ وغريبها أن أنبياءَ اللهِ المُرسلين الثلاثة هؤلاء، صلوات اللهِ وسلامه عليهم، هم الذين شرَّفهم اللهُ تعالى بحملِ رسالاتِه الكبرى.
ولكن ماذا بشأنِ نبيٍّ آخر هو سيدنا يحيى عليه السلام الذي لم يكن لينبثقَ إلى الوجودِ هو الآخر لولا “أمرُ الله” هذا؟ هذا ما سوف اُجيب عنه إن شاء الله في المنشورِ التالي.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s