لماذا كان لسيدِنا شعيب إبنتان اثنتان فحسب؟

كانت حياةُ سيدِنا موسى عليه السلام سلسلةً متصلةً من “الأحداثِ القدرية”؛ كيف لا وهو الذي صنعَهُ اللهُ تعالى على عينِه، واصطنعه لنفسه؟ (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (من 39 طه)، (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) (41 طه). ولذلك لم يكن ظهورُ أيِّ شخصٍ في حياةِ سيدِنا موسى أمراً عابراً ومن دونِ أن يكونَ من وراءِ هذا الظهورِ قدرٌ تسبَّبَ به، ومن دونِ أن يتسبَّبَ هذا الظهورُ في “اجتذابِ” قدرٍ آخر بدورِه.
ومن هنا، فإنَّ بإمكانِنا أن نتبيَّنَ “جملةً من الأقدار” التي كان قد “اجتذبها” ما كان عليه سيدُنا موسى من “تركيبةٍ عجيبةٍ”، وهو الذي صُنِعَ على عينِ الله الذي اصطنعه لنفسه. ومن بين عجيبِ الإقدارِ هذه أن يكونَ لسيدِنا موسى أخٌ كسيدِنا هارون، الذي يكفيه قربىً من سيدِنا موسى أنَّه سألَ اللهَ تعالى أن يجعلَه وزيرَه الذي يشدُّ به أزرَه.
ولذلك فلم يكن ما حدثَ لسيدِنا موسى عند “ماءِ مدين” أمراً يكفي للتعليلِ له أن يُقالَ فيه ما يقولُ به مَن ينظرُ إلى “الإحداثِ القدَرية” فلا يرى منها إلا ما تسبَّبت به أسبابُ عالمِ الأسبابِ وقوانينُه دون أن يرى “يدَ الله” وهي تتسبَّبُ في حدوثِ ما لا تراهُ أعينُ مَن كان لا يعلمُ إلا ظاهراً من الحياةِ الدنيا! (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ. وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ. فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير. فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (22- 25 القصص).
فلقاءُ “ماء مدين” هذا لم يكن أمراً عابراً، كما يظنُّ البعض، ولكنه كان أمراً مُقدَّراً، وذلك لتبتدئَ من عندِهِ مرحلةٌ جديدةٌ في حياةِ سيدِنا موسى كان لها أن تؤسِّسَ لما سيجيءُ بعدها من “أحداثٍ قدريةٍ” أخرى صنعت التاريخَ وغيَّرت مجرى أحداثِه. وإذا كانت بشرى نجاةِ سيدِنا موسى من القومِ الظالمين، والتي تلقاها من سيدِنا شعيب عليه السلام، هي استجابةُ اللهِ لدعائه عندما اضطُرَّ إلى الخروجِ من مصر والتوجُّهِ تلقاءَ مدين (رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (من 21 القصص)، فإنَّ استجابةَ اللهِ تعالى لدعاءِ سيدِنا موسى (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير) (من 24 القصص) كان لها من عجيبِ التجلياتِ وغريبِها ما لا ينبغي أن يُقصَرَ على مفردةٍ واحدةٍ بعينِها! (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ. قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (26- 27 القصص).
فلقد كان من بين مفرداتِ استجابةِ اللهِ تعالى لهذا الدعاء المبارك (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير) أن تيسَّرَ لسيدِنا هارون عليه السلام فيما بعد، عندما التحقَ بسيدِنا موسى في مدين، أن يُنكِحَه سيدُنا شعيب إبنته الأخرى!
إذاً، فإن الإجابةَ على سؤالِ “لماذا كان لسيدِنا شعيب إبنتان اثنتان فحسب؟” هي حتى يتزوج سيدُنا موسى عليه السلام من إحداهما، ويتزوجَ سيدُنا هارون عليه السلام من الأخرى.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s