من يقف وراء قوانينِ الوجود وأسبابه؟ ومَن يُمدِدُها بما تحتاجُ إليه من قوةٍ حتى يكونَ بمقدورِها أن تتسبَّبَ بما يحدثُ فيه من وقائع وظواهر وأحداث؟

يظنُّ العلمُ المعاصرُ أن لا حاجةَ هناكَ على الإطلاق للقولِ بوجودِ الله! ويُعلِّلُ العلمُ لهذا الاجتراءِ منه، خوضاً فيما ليس له به علم، بأنَّ ما تسنى له الوقوعُ عليه من قوانينِ الوجود لا يدَعُ أيَّ حاجةٍ هناك للتعليلِ لما يحدثُ فيه بالالتجاء إلى اللهِ، طالما كان بمقدورِ هذه القوانين أن تكشف النقابَ عن وجودِ طاقاتٍ وقوى بإمكانِهِ دوماً أن يستعينَ بها ليُعلِّلَ لوقائعِ الوجودِ وأحداثِه وظواهرِه. وإذا كان هذا هو ما يظنُّه العلمُ، فإنَّ لدينِ اللهِ تعالى مقاربةً مُغايرةً تتوغَّلُ عميقاً في باطنِ الوجودِ توغلاً تنظرُ بمقتضاهُ إلى ما تأتَّى للعلمِ المعاصرِ أن يُحيطَ به من قوى الوجود وطاقاتِه فتراها على ما هي عليه حقاً وحقيقة: مجرد أسبابٍ لا قدرةَ لها “بذاتِها” على أن تتسبَّبَ في حدوثِ ما يحدثُ في الوجود. أما ما “يبدو” على هذه القوى والطاقات من قدرةٍ على التسبُّبِ في حدوثِ ما يحدثُ في الوجود، فما هو إلا “وَهمٌ” رسَّخَه فينا عجزُنا عن أن ننظرَ إلى الوجودِ فنرى “يدَ اللهِ” وهي تقفُ من وراءِ هذه القوى والطاقات تُمدِدُها بما تحتاجُ إليه من قدرةٍ حتى يكونَ بمقدورِها أن تتسبَّبَ في حدوثِ ما يحدثُ فيه من وقائع وظواهر وأحداث.
وبذلك يتبيَّنُ لنا أنَّ العلةَ من وراءِ إصرارِ العلمِ على ألا حاجةَ هناك للقولِ بوجودِ الله إنما تعودُ إلى عجزِه عن رؤيةِ “يدِ اللهِ” وهي تُمدِدُ قوى الوجودِ وطاقاتِه بما يجعلُ منها قادرةً على أن تتسبَّبَ في حدوثِ ما يحدثُ فيه.
لقد كشفَ لنا القرآنُ العظيم النقابَ عن واحدةٍ من أعظمِ حقائق الوجود، وذلك عندما أنبأنا بما هو عليه هذا الوجودُ من “عجزٍ مطلقٍ” وافتقارٍ دائمٍ إلى الله تعالى. فالسمواتُ والأرضُ لا قدرةَ لهما “بذاتِهما” على ألا تزولا وتتلاشيا. وما “تماسكُ” السمواتِ والأرضِ إلا مظهرٌ من مظاهرِ إمساكِ اللهِ بهما؛ هذا الإمساكُ الذي لا قدرةَ لمخلوقٍ على أن يضطلعَ به. لنتدبَّر الآيتين الكريمتين: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (من 65 الحج)، (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) (من 41 فاطر).
يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ هاتين الآيتين الكريمتين أن هذا الوجودَ زائلٌ لا محالة لولا أنَّ اللهَ تعالى متواجدٌ فيه توجداً يتكفلُ بإمدادِ قوى الوجودِ وطاقاتِه بما تحتاجُ إليه حتى يكون بمقدورِها أن تتسبَّبَ في حدوثِ كلِّ ما يحدثُ فيه. فاللهُ وإن كان “موجوداً” خارجَ السمواتِ والأرض حيثُ لا قدرةَ لمخلوقٍ على أن يتواجدَ معه هناك، فإنَّ له تعالى “تواجداً” لطيفاً خفياً فيهما هو العلةُ من وراءِ تمكُّنِ قِوى وطاقاتِ الوجودِ من أن تتسبَّبَ في حدوثِ ما يحدثُ فيه.
وإذا كان العقلُ البشري عاجزاً عن رؤيةِ هذا “التواجدِ الإلهي” في السمواتِ والأرض، فإنَّهُ لأعجزُ من أن يرى “الوجودَ الإلهي” خارجهما!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s