لماذا تعيَّنَ على قومِ سيدِنا موسى أن يَتيهوا في الأرضِ أربعين سنةً بالتمامِ والكمالِ لا أكثرَ من ذلك ولا أقل؟

حفظت لنا سورةُ المائدة بعضاً من قَصَصِ سيدِنا موسى عليه السلام، وذلك في الآياتِ الكريمة 20- 26 منها. فسيدُنا موسى كان قد أمرَ قومَه بأن يدخلوا الأرضَ المقدسةَ التي كتبَ اللهُ لهم (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) (21 المائدة). فما كان من القومِ إلا أن أمعنوا وتمادوا في إصرارِهم على عدمِ الإنصياعِ والامتثالِ لما كان سيدُنا موسى قد أمرَهم به (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون) (24 المائدة). فما كان من سيدِنا موسى إلا أن توجَّهَ إلى اللهِ تعالى بدعاءٍ حفظته لنا الآيةُ الكريمة 25 من سورة المائدة (قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِين). فاستجابَ اللهُ تعالى دعاءَه عليه السلام (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (26 المائدة).
والسؤالُ هنا هو: ” لماذا تعيَّنَ على قومِ سيدِنا موسى أن يتيهوا في الأرضِ أربعين سنةً بالتمامِ والكمالِ لا أكثرَ من ذلك ولا أقل؟”. يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ما كان من أمرِ قومِ سيدنا موسى ما أن غادرَهم عليه السلام للقاءِ ربِّه، وذلكَ وفقاً للميقاتِ الذي كان بينهما (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ: مَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى) (من 143 الأعراف و83 طه)، (قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) (84 طه).
فسيدُنا موسى لم يكن يعلم أنَّ القومَ من بعدِهِ قد أحدثوا في دينِهِ ما أحدثوا، فاتَّخذوا العجلَ إلهاً من دونِ اللهِ تعالى (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) (51 البقرة). غيرَ أنَّ اللهَ تعالى “لم يُعجِّل” بعذابِ القومِ على ما جنتهُ أيديهم وعلى اتخاذهم العجلَ إلهاً من دونِ الله (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) ( 52 البقرة). فلما كان من قومِ موسى ما كان، وعصَوا سيدِنا موسى مرةً أخرى بعدم امتثالِهِم لما أمرَهم به فأبوا أن يدخلوا الأرضَ المقدسة، “عجَّلَ” لهم اللهُ تعالى العذابَ فعاجلَهم بما حفظته لنا الآية الكريمة 26 المائدة أعلاه، فكان عليهم أن يَتيهوا في الأرضِ أربعين سنة عقوبةً من لدُن الله تُذكِّرُ بعددِ ليالي خلوةِ سيدِنا موسى الأربعين مع الله، على أن تكونَ الليلةُ الواحدةُ بسنة!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s