الخلقُ “المباشر” والخلق “المُسبَّب”

يُقدِّمُ القرآنُ العظيم ما من شأنِه أن يضطرَّ مَن يتدبَّرُهُ إلى وجوبِ الإقرارِ بأنَّ العلمَ لن يتمكَّنَ يوماً على الإطلاقِ من أن “يتقبَّلَ” ما حفظه لنا من قصَصِ أنبياءِ اللهِ المرسَلين طالما كان في هذه القصص ما يتعارضُ أشدَّ التعارضِ مع ما يقومُ عليه هذا العلمُ من تصورٍ للوجودِ وللقوانينِ التي تسيرُ أحداثُه وفقاً لها وبمقتضاها. فكيف للعلمِ أن “يتقبَّلَ” أحداثاً يتناقضُ حدوثُها صارخَ التناقضِ مع ما وقرَ لديه أنَّه “نظامُ القوانينِ والأسباب” الذي يقومُ عليه هذا الوجود؟! وكيف للعلمِ أن “يتقبَّلَ” أحداثاً إن هو أقرَّ بحدوثِها كان في ذلك ما يجعلُهُ مُضطراً إلى التخلِّي عن تصوُّرِه للوجودِ ولما يحدثُ فيه؟!
فهل بمقدورِ العلمِ حقاً أن “يتقبَّلَ” ما جاءنا به القرآنُ العظيم من أنَّ للحياةِ البايولوجية أن تنبثقَ مباشرةً إلى الوجودِ دون مرورٍ بملايين السنين من “التطورِ البايولوجي”؟! وهل بوسعِ العلمِ حقاً أن “يتقبَّلَ” ما حفظه لنا القرآنُ العظيم من قصَصِ سيدِنا عيسى إبن مريم عليه السلام الذي كان يخلقُ من الطينِ كهيأة الطير ثم ينفخُ فيه فيكونُ طيراً بإذن الله (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) (من 49 آل عمران)؟ أم هل بوسعِ العلمِ أن “يتقبَّلَ” خلقَ اللهِ تعالى ناقةً “مباشرةً” من صخرِ وادي قومِ سيدِنا صالح عليه السلام (وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) (من 64 هود)؟ أم هل “سيتقبَّلُ” العلمُ حقاً ما جاءنا به القرآنُ العظيم من قصَصِ سيدِنا موسى عليه السلام الذي استحالت عصاهُ بلمحَ البصرِ حيةً تسعى (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى. قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى. فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) (18- 20 طه)؟
يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ ما تقدَّم أن على أولئكَ المنبهرين بالعلم، والمتطلعين إلى التوفيقِ بينه وبين القرآنِ العظيم، أن يفيقوا من هكذا وَهمٍ لن ينتهيَ بهم الجريُ وراء سرابِهِ إلا إلى مزيدٍ من الولوغِ في الضلالِ البعيد والنأي بالتالي عن الحقِّ المُبين.
إن العلمَ لا يمكنُ على الإطلاق أن “يتقبَّلَ” ما وردَ في القرآنِ العظيم من أنَّ اللهَ تعالى، الذي يخلقُ مخلوقاتٍ خَلقاً “مُسبَّباً” بالأسباب، قادرٌ في الوقتِ عينِه على أن يخلقَ مخلوقاتٍ “مباشرةً” ومن دونِ تسبيبٍ بأي أسباب!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s