في معنى قولِه تعالى “بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ”

خلقَ اللهُ السمواتِ والأرضَ بالحق وأجلٍ مسمى، فبثَّ فيهما من الأسبابِ والقوانين ما هو كفيلٌ بأن يُسيِّرَ شؤونَهما إلى يومِ القيامةِ بإذنه (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى) (من 3 الأحقاف). فاللهُ تعالى هو بديعُ السمواتِ والأرضِ وهو فاطرُهما الذي خلقهما في ستةِ أيامٍ “خلقاً مُسَبَّباً” بهذه الأسباب والقوانين. وإذا كان اللهُ قد أجازَ هذه الأسبابَ والقوانينَ بأن تفعلَ فيهما ما تفعلُ بإذنه، فإنه تعالى قد احتفظَ لنفسِه في الوقتِ عينِه بأن يكونَ له في أيةِ لحظةٍ يشاء أن يتدخَّلَ تدخلاً مباشراً “يتسلَّطُ” بمقتضاه على هذه الأسبابِ والقوانين فلا يجعل لها ما يُمكِّنُها من أن تفعلَ ما سبق له وأن أذن لها بأن تفعلَه. ولذلك كان للتدخل الإلهي المباشر في سيرِ أحداثِ الوجودِ أن يتجلى وقائعَ وظواهرَ وأحداثاً يتعارضُ تجلِّيها هذا مع ما تقضي به هذه الأسبابُ والقوانين. ومن هنا كان للهِ تعالى أن يقولَ للشيءِ إذا أراده “كن فيكون” حتى وإن كان في ذلك ما يتعارضُ تمامَ التعارضِ مع ما تقضي به أسبابُ الوجودِ وقوانينُه! فيكفينا أن نتدبَّرَ ما أنبأنا به القرآنُ العظيم من تجلياتِ “كن فيكون” حتى يتبيَّنَ لنا ما بين هذه التجليات، وبين ما تقضي به أسبابُ الوجودِ وقوانينُه، من عظيمِ تناشزٍ وشديدِ تعارضٍ لا يمكنُ لغيرِ التدخُّلِ الإلهي المباشر في سيرِ أحداثِ الوجود أن يتسبَّبَ بهما.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s