الوجودُ بين “كن فيكون” وقوانين اللهِ وأسبابه

يظنُّ كثيرٌ منا أنَّ اللهَ تعالى خلقَ في الوجودِ من القوانينِ والأسباب ما هو كافٍ لأن نُعلِّلَ به لكلِّ ما يحدثُ فيه من وقائعَ وظواهرَ وأحداثٍ ما كان منها مألوفاً وما كان غير مألوف! وبناء على هذا الظن، فإنَّ المعجزات، وغيرَها من خوارق العادات، لا تختلفُ في شيءٍ عن ظواهرِ الوجودِ المألوفة إلا بأنَّها لاتزالُ تنتظرُ ما سيجودُ به علينا “العقلُ العلمي” من اكتشافاتٍ سوف تتكفَّلُ بأن تُقدِّمَ التعليلَ العلمي لها؛ هذه الاكتشافات التي سوف تجعلنا نضع أيدينا على القوانين والأسباب التي تقف وراء حدوثِها! وبذلك، ووفقاً لما يقولُ به هؤلاء، فلا موجب هنالك على الإطلاق لأن نفترضَ أنَّ هناك “تدخلاً إلهياً مباشراً” هو العلةُ من وراءِ حدوثِ المعجزاتِ وغيرِها من خوارق العادات!
ولقد فات مَن يذهبُ هذا المذهب، في “المقاربة العقلانية” لدينِ الله تعالى، أنَّ ذلك يقتضي وجوبَ أن يكونَ الوجودُ قد خلقَهُ اللهُ تعالى مشتملاً على “عددٍ غيرِ محدود” من هذه القوانينِ والأسباب التي لابد من افتراضِ وجودِها حتى يكون بمقدورِنا أن نُعلِّلَ للمعجزات، وغيرها من خوارق العادات، هذا التعليل العلمي المزعوم! ولقد فات هؤلاء أيضاً أنَّ اللهَ تعالى خلقَ الوجودَ بـ “كَمٍّ محدودٍ” من القوانين والأسباب التي “كفَّلها” وقائعَ وأحداثَ وظواهرَ الوجودِ كلَّها جميعاً خلا المعجزات وغيرها من خوارق العادات التي يتطلَّبُ حدوثُها “كماً غيرَ محدود” من القوانينِ والأسباب، وذلك طالما كانت هذه المعجزات غيرَ محدودةِ العدد!
لقد خلقَ اللهُ تعالى الوجودَ وأجازَ “عدداً محدوداً” من القوانينِ والأسباب بأن تتكفَّلَ بتسييرِ ما يحدثُ فيه من وقائعَ وظواهرَ وأحداثٍ بإذنه. فما يحدثُ في هذا الوجودِ لا يقتضي غير هذا “العدد المحدود” من القوانينِ والأسباب التي تكفي لأن تُعلِّلَ لكلِّ هذا الذي يحدثُ فيه من أحداثٍ “مألوفة”. أما أحداثُ الوجودِ “غيرُ المألوفة”، فلا قدرةَ لـ “كمٍّ محدود” من القوانينِ والأسباب على أن يُعلِّلَ لها أما وقد أنبأنا القرآنُ العظيم بأنَّ هذه الأحداث هي غيضٌ من فيضِ “كلماتِ الله التي لا تنفد”، وذلك كما جاءتنا به سورةُ لقمان في الآية الكريمة 27 منها (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، وكذلك سورةُ الكهف في الآية الكريمة 109 منها (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s