هل صحيحٌ أنَّ اللهَ لم يؤيد رسولَه صلى الله تعالى عليه وسلم بمعجزةٍ غير معجزةِ القرآن؟

شاعَ فينا وراجَ ما أرادَنا أن نُصدِّقَه أولئك الذين يُصِرُّون على مقاربةِ دينِ اللهِ تعالى بعقولِهم البشرية المحدودة! فدينُ اللهِ تعالى، وفقاً لما يتوهَّمُ هؤلاء، ليس فيه ما يُجافي المنطقَ ويتعارضُ بالتالي مع قواعدِ العقلِ وأحكامِه! ولذلك فلقد كانت المعجزاتُ تنطوي على كلِّ ما من شأنِهِ أن يجعلَ كلَّ مَن يُعظِّمُ العقلَ مضطراً إلى مواجهةِ تحدٍّ معرفيٍ- ديني عظيم؛ كيف لا وكلُّ ما في هذه المعجزاتِ يتنافى مع ما يقومُ عليه العقلُ من أحكامٍ وقواعد؟!
ومن هنا فإن بإمكانِنا أن نضعَ يدَنا على العلةِ التي حدَت بهؤلاءِ إلى قصرِ معجزاتِ سيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم على القرآن العظيم! فالقرآنُ العظيم كتابٌ ظنَّ هؤلاءِ أنَّ بإمكانِ العقلِ أن يتعاملَ معه تعاملاً معرفياً لا يدَعُ مجالاً لما يُجافي المنطقَ أن يكونَ له ما يقوله فيه، في الوقتِ الذي كانت “المعجزاتُ” ستضطرُّهم إلى مواجهةِ عجزِ العقل عن أن يُعلِّلَ لما تنطوي عليه من قدرةٍ فذة على مُناكفتِهِ؛ كيف لا وهي التي لم تنبثق إلى الوجودِ وفقاً لما يعرفُ هذا العقلُ من قوانين وأسباب؟! فالمعجزاتُ تجلياتٌ لـ “تسلُّطِ أمرِ اللهِ” على ما يعرفُ العقلُ من قوانين وأسبابٍ، وهي لذلك “تُعجِزُ” العقلَ عن أن يُعلِّلَ لها وهو الذي ما نشأت منظومتُه المعرفية إلا على أساسٍ من هذه القوانينِ والأسباب!
وهكذا فإنَّه لمن المنطقي والمعقول أن يزعمَ هؤلاء المنبهرون بعظمةِ العقلِ البشري أنَّ اللهَ تعالى لم يؤيِّد رسولَه الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم بمعجزةٍ غير القرآن العظيم. فيكفينا أن نستذكرَ بعضاً مما جاءنا به هذا القرآنُ من أدلةٍ وبراهين على أنَّ اللهَ تعالى أيَّدَ رسولَه الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم بآياتٍ لا يملكُ العقلُ البشريُّ حيالَها إلا أن يُقِرَّ بعجزِه عن أن يُعلِّلَ لها وفقاً لما وقرَ لديه أنَّه “نظامُ القوانينِ والأسباب” الذي تمكَّنَ بواسطتِه من أن يُعلِّلَ للمألوف من وقائعِ وأحداثِ وظواهرِ الوجود:
1- (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا) (من 40 التوبة).
2- (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (1 الإسراء).
3- (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (18 النجم).
4- (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (من 62- 63 الأنفال).
5- (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) (1 الفتح).
يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ ما تقدَّم من آياتٍ كريمة أنَّ اللهَ تعالى لم يقصُر تأييدَه لرسولِهِ الكريم على القرآنِ العظيم، إذ أنَّه أيَّده صلى الله تعالى عليه وسلم بآياتٍ معجزاتٍ لا قدرةَ للعقلِ البشري حيالَها إلا أن يُقِرَّ بعجزِهِ عن التعليلِ لها. وهذا هو عينُ ما يضطرُّ القرآنُ العظيمُ العقلَ إلى الإقرارِ به كتاباً مُعجِزاً لا قدرةَ لهذا العقلِ على أن يُعلِّلَ لما جاء فيه من آياتٍ مُبيَّناتٍ مُفصَّلات.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s