كيف انتهى الأمرُ بسيِدنا يونس إلى أن يُساهِمَ فيكونَ من المُدحَضين؟

أنبياءُ اللهِ هم أكثرُ الناسِ تعرُّضاً لآثارِ رحمةِ الله التي تتجلى جراءَ تدخُّلِ اللهِ المباشر في سيرِ أحداثِ هذه الحياةِ الدنيا. ونحن إن تدبَّرنا قصَصَ أنبياءِ الله، كما حفِظَها لنا القرآنُ العظيم، فلن يكونَ بالعسيرِ علينا أن نتبيَّنَ بعضاً من آثارِ رحمةِ اللهِ هذه. فلولا هذه الرحمة الإلهية التي أحاطت بأنبياءِ اللهِ من كلِّ جانب، لما كان لقصَصِهم أن تشتملَ على هذا القدرِ من عجيبِ الأمورِ وغريبها.
ولنا في قصَصِ سيدِنا يونس عليه السلام خيرُ مثالٍ على هذا التدخُّلِ الإلهي المباشر الذي سطرَ صفحاتِ هذه القصَص بمدَدٍ من لدنِ اللهِ تعالى. فسيدُنا يونس، كما يُنبؤنا القرآنُ العظيم، كان قد خرجَ من قريتِهِ مغاضباً من بعدِ الذي لاقاهُ من أهلِها من صدودٍ وإعراضٍ (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا) (من 87 الأنبياء)، فتوجَّه تلقاءَ البحرِ وركبَ في سفينةٍ كانت توشكُ على الانطلاق (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (139- 140 الصافات). ثم أنَّ البحرَ هاجَ وماج وكاد أن يُغرِقَ السفينةَ التي كان سيدُنا يونس على متنِها، فما كان من أصحابِ السفينةِ إلا أن بادروا إلى إجراءِ ما يُماثِلُ القُرعةَ لدينا اليوم، وذلك لأن أهلَ البحرِ كان هذا هو دأبُهم كلَّما اشتدَّت الريحُ فهاجَ البحرُ وأوشكت السفينةُ على الغرق. وما ذلك إلا لأنهم كانوا يعتقدون أنَّ هناك من لا ينبغي أن يكونَ على متنِ السفينة، وأنَّ البحرَ ما هاجَ ولا ماج إلا ليضطرَّهم إلى اطِّراحِه خارجها. فكان أن “ساهم” سيدُنا يونس مع بقيةِ ركابِ السفينة فألقى سهمَه كما ألقوا هم سهامَهم، فكان من “المدحَضين”. وعندها تبيَّنَ لأصحابِ السفينةِ أنَّه هو المقصود، فكان أن ألقوا به في البحرِ الذي كان ينتظرُه فيه حوتٌ فاغرٌ فاه (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ. فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ) (141- 142 الصافات).
ولنا أن نتساءلَ: أين هو هذا “التدخُّل الإلهي المباشر” في مسارِ هذه الأحداث التي أدت إلى أن يلبثَ سيدُنا يونس في بطنِ الحوت؟ فسيدُنا يونس ما أصبحَ “من المُدحَضين” إلا بـ “تدخُّلٍ إلهيٍّ مباشر” تكفلَ بتحقيق ذلك! وما ذلك إلا ليُضطَرَّ أصحابُ السفينةِ إلى إلقائهِ خارجها، حيث كان البحرُ قد هاجَ وماجَ واضطرمَ امتثالاً منه وانصياعاً لأمرِ الله، وحيث كان الحوتُ بانتظارِه عليه السلام امتثالاً منه وانصياعاً لأمر الله هو الآخر!
يتبيَّنُ لنا إذاً مما تقدَّم أنَّ اللهَ تعالى تدخَّلَ في سيرِ الأحداث التي أعقبت خروجَ سيدِنا يونس من قريتِهِ مغاضباً تدخلاً مباشراً نجمَ عنه ما جعل البحرَ يهيجُ ويضطرب، وما جعلَ منه عليه السلام “يُساهم فيكون من المدحضين”، وما جعلَ الحوتَ بانتظاره في البحر، وذلك ليقضيَ اللهُ أمراً كان مفعولاً، فيتسنى لسيدِنا يونس أن يقعَ على علمٍ ما كان له أن يُحيطَ به لولا ما حدث. وهذه قصَصٌ أخرى سأتطرقُ إليها إن شاء الله في منشورٍ لاحق.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s