لماذا وصف اللهُ قَصَصَ قرآنِه العظيم بأنها “أحسنُ القصص”؟

أنبأ اللهُ تعالى نبيَّه صلى الله تعالى عليه وسلم بأنَّه إذ أوحى إليهِ القرآنَ العظيم، فإنَّه يقصُّ عليه بذلكَ “أحسنَ القصص” (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) (3 يوسف). فلماذا وصفَ اللهُ قصَصَ قرآنِه العظيم بأنها “أحسنُ القصص”؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ما تتمايزُ به قصَصُ بني آدم عادةً وتتفاوتُ فيما بينها. فالقصَصُ التي يرويها بنو آدم، إذ تتناشزُ فيما بينَها تناشزاً تفرضُهُ حقيقةُ أنَّ القاصَّ لا يستقي قصَصَهُ من مَعينِ الحقيقةِ كما أنَّه لا ينهلُ مادَّتَها من مشربِ الحق، فإن هذه القصص لا تصلحُ بذلك لأن تكونَ مرجعاً معتمداً يستندُ إليه كلُّ مَن يرومُ الوصولَ إلى تبيُّنِ حقيقةِ ما حدث في غابرِ الأزمان. فمَن من بني آدم يجرؤ على القول بأنه كان هناك يومَ حدثَ هذا أو ذاك من أحداثِ التاريخ التي مرَّ عليها من الزمانِ دهورٌ وأحقاب؟! فالراويةُ الصادقُ، والحالُ هذه، لا يمكنُ أن يكونَ بشراً من بني آدم حدَّدَ الزمانُ “نطاقَهُ المعرفي” فجعلَه محدوداً بحدودٍ لا قدرةَ له على تجاوزِها، ومُقيَّداً بقيودٍ لا طاقةَ له على كسرِها. فـ “الشاهدُ” على الحدَثِ هو أصدقُ الرواةِ لما انطوى عليه ذلك الحدث من مفرداتٍ وتفاصيلَ سيتعذَّرُ لا محالة على “غيرِ الشاهدِ” أن يُحيطَ بها على ما كانت عليه حقاً وحقيقة.
ولذلك أخبرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم بأنه لم يكن هناك عندما حدثَ ما حدثَ لسيدِنا يوسف عليه السلام إذ مكرَ به أخوتُه (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) (102 يوسف). وأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن شاهداً على ما حدثَ يومَ ألقى بنو إسرائيلَ أقلامَهم أيُّهم يكفلُ مريم (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (44 آل عمران). كما أنَّهُ صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن هناك حيث جرى ما جرى لسيدِنا موسى عليه السلام مع اللهِ تعالى (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (44- 46 القصص).
يتبيَّنُ لنا إذاً بتدبُّرِ ما تقدَّم ألا شاهدَ هناك على الإطلاق بمقدورِهِ أن يتعالى على الزمان تعاليهِ على المكان، فيكونَ “الراويةَ الصادق”، إلا اللهُ تعالى الذي هو الحاضرُ الناظرُ الشاهدُ على أحداثِ الوجودِ كلِّها جميعاً. ولذلك كانت “قصصُ الله” هي أحسنُ القصَص لأنها أصدقُ القَصصِ قاطبةً. ولأنَّ قصَصَ القرآنِ العظيم هي قصَصُ اللهِ هذه، فإنَّها تكتسبُ مصداقيتَها من حقيقةِ أنَّ اللهَ تعالى هو الشاهدُ على أحداثِها الشهادةَ التي لا تُضاهى ولا تُبارى. فاللهُ إذ يشهدُ على الحدَثِ، فإنَّه يرويه لا كما يرويه الإنسانُ الذي تُخالِطُ روايتَه “أفكارٌ مسبَقة” و”أحكامٌ جاهزة” تحولُ دون أن يكونَ بمقدورِه أن يحيط بمفرداتِ وتفاصيلِ ما حدث دون زيادةٍ أو نقصان.
وبذلك يتبيَّنُ لنا أنَّ قصَصَ القرآنِ العظيم هي أحسنُ القَصص لأنها أصدقُها على الإطلاق. فيكفي قصَصَ القرآنِ العظيم مصداقيةً وصدقية أنَّ اللهَ تعالى هو الشاهدُ على أحداثِها والراويةُ لها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s