تحقُّق وعدِ الله من تجليات التسلُّط الإلهي على الوجود

لولا أنَّ اللهَ تعالى هو المتسلِّطُ على الوجودِ، فلا قدرةَ لمخلوقٍ بالتالي على أن يُفلِتَ من سلطتِه المطلقة، لكان بمقدورِ الإنسانِ أن يكتفيَ بما يراهُ من أسبابِ الوجودِ وقوانينِه ليُعينَه على صياغةِ التصورِ الأمثل لعلاقةِ اللهِ بالوجودِ وما فيه!
ولذلك فإنَّ الإنسانَ يُخطئُ خطأً جسيماً قاتلاً إذ يظنُّ أنَّ بمقدورِهِ أن يُحدِّدَ قدرةَ اللهِ تعالى بهذا الذي قد تجلَّى له منها! فتحديدُ قدرةِ اللهِ بالمُتجلي منها قد تسبَّبَ في جعلِ الإنسانِ يظنُّ أنَّ بمقدورِهِ أن يُحدِّدَ طبيعةَ علاقةِ الله بالوجودِ وما فيه؛ هذه العلاقة التي لم يُقدَّر للإنسانِ أن يُحيطَ بها على ما هي عليه حقاً وحقيقة، وذلك طالما استحالَ عليه أن ينفذَ وحدَه من “النطاقِ المعرفي” الذي فرضَهُ اللهُ تعالى عليه!
ومن هنا كان لِتحقُّقِ “وعدِ الله” أن يُعينَ الإنسانَ على تبيُّنِ مدى التعقيد الذي تنطوي عليه هذه العلاقةُ بين اللهِ وبين الوجودِ وما فيه. فاللهُ تعالى ما وعدَ إلا بكلِّ ما يتعارضُ مع ما تقضي به قوانينُ الوجودِ وأسبابُه؛ هذه القوانين والأسباب التي هو من سبق له وأن خلقها وبثَّها في الوجود وأجاز لها بأن تفعلَ ما تفعلُ فيه بإذنِه. ولذلك كان لتحقُّقِ وعدِ اللهِ أن يُبرهنَ على ما للهِ تعالى من سلطةٍ مطلقةٍ على الوجود، برهنته على أنَّه تعالى هو المتسلِّطُ على كلِّ موجود.
لنتدبَّر الآية الكريمة التالية: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون) (55 النور). فتحقُّق ما وعدَ اللهُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات من استخلافٍ في الأرضِ وتمكين، ما كان له أن تتسبَّبَ فيه أسبابُ الوجودِ وقوانينُه كلُّها جميعاً. فوعدُ اللهِ هذا ما كان له أن يتحقَّقَ إلا بتدخُّلٍ إلهيٍّ مباشر هو عنوانُ تسلُّطِ اللهِ على الوجود وبرهانُ سلطتِهِ المطلقةِ على كلِّ موجود؛ هذه السلطةُ التي تجلَّى مطلقُ تأثيرِها أيَّما تجلٍّ في قصَصِ سيدِنا موسى عليه السلام وقصَصِ أصحابِ الكهفِ رضوانُ اللهِ تعالى عنهم. فلولا أنَّ اللهَ هو مَن تعهَّدَ بأن يُصنعَ سيدُنا موسى على عينِهِ تعالى لما كان له عليه السلام أن يُرَدَّ إلى أُمِّهِ سالماً مُعافى من بينِ يدَي فرعون الطاغية (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (13 القصص).
ولولا أنَّ اللهَ هو مَن سبق ووعدَ الناسَ بأنَّه جامعُهم ليومِ القيامةِ لا ريبَ فيه، لما كان هناك من داعٍ على الإطلاق لأن يُعثِرَ على أصحابِ الكهفِ ليتبيَّنَ لكلِّ مَن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد، أنَّ مَن بعث الفتيةَ أصحابَ الكهفِ، من بعدِ رُقادٍ طال 309 من السنين، قادرٌ على أن يبعثَ الناسَ يومَ الحساب (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا) (من 21 الكهف).
فيومُ الحساب آتٍ لا ريب فيه، ومجيؤُهُ وعدٌ وعدَه اللهُ واللهُ مُنجِزٌ وعدَه وإن تظافرت أسبابُ الوجودِ وقوانينُه كلُّها جميعاً واحتشدت صارخةً بأنَّ ذلك لَيتعارَضُ مع ما أذِنَ اللهُ لها بأن تفعلَهُ في الوجودِ؛ هذا الوجود الذي يظنُّ كلُّ مَن حدَّدَ قدرةَ اللهِ لما بثَّهُ تعالى فيه من أسبابٍ وقوانين أنَّه باقٍ، بهذه الأسبابِ والقوانينِ ذاتها، إلى أبدِ الآبدين (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) (من 4 يونس)، (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (6 الروم).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s