الغائباتُ مفرداتُ “كتابِ الغيب” المبين (1)

خُلِقَ الإنسانُ محدودَ القدراتِ مُحدَّداً بـ “نطاقٍ معرفي” لا قدرةَ له وحده على النفاذِ منه. وإذا كان علمُ الإنسانِ قائماً على أساسٍ من تفاعُلِه مع “ظواهرِ الوجود” التي قُدِّرَ له أن يقعَ عليها، فإنَّ هذا العلمَ لا يمكنُ إلا أن يكونَ محدوداً طالما كانت هذه الظواهرُ لا تُمثِّلُ إلا نزراً يسيراً من ظواهرِ الوجودِ كلِّها جميعاً. وإذا كان هذا هو حالُ الإنسانِ مع ظواهرِ الوجود، إحاطةً معرفيةً بنزرٍ يسيرٍ منها فحسب، فما بالُك بما غابَ عن الإنسانِ إدراكُهُ من مفرداتِ الوجودِ وحادثاتِهِ مما لا قدرةَ له على أن يُحيطَ بها علماً على الإطلاق؟! فليس كلُّ الوجودِ ظاهراً وظواهرَ، وذلك طالما انطوى الوجودُ على باطنٍ وغائبات (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِين) (75 النمل).
فالغائباتُ هي كلُّ ما لم يُقدَّر للإنسانِ أن يقعَ عليه من مفرداتٍ وحادثاتٍ “غيَّبها الله” فجعلَها خارجَ نطاقِ الإنسانِ المعرفي. ونُخطئُ إذ نظنُّ أنَّ هذه الغائبات هي ظواهرُ الوجودِ التي “يتعذَّر” على الإنسانِ أن يُحيطَ بها لهذا السببِ أو ذاك من الأسبابِ ذاتِ الصلة بتقنيات العصر الذي يعيش فيه! فالغائباتُ لن تُمكِّنَ الإنسانَ منها أبداً حتى وإن استعانَ عليها بكلِّ ما سيتأتَّى له أن تصلَ إليه معارفُه وتقنياتُه إلى يوم القيامة.
وإذا كان هذا هو حالُ الإنسانِ مع الوجودِ، ظواهرَ وغائباتٍ، فإنَّ حالَ اللهِ تعالى مع الوجودِ هو أمرٌ مُغايِرٌ بالتمامِ والكلية. وهذا ما بوسِعنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِنا الآيات الكريمة التالية: (عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (من 3 سبأ)، (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (من 61 يونس)، (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (من 59 الأنعام)، (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (6 هود)، (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (70 الحج).
يتبيَّنُ لنا إذاً أنَّ علمَ اللهِ تعالى مُتفوِّقٌ على علمِ الإنسان الذي خُلِقَ محجوباً بحواسِهِ ومُحدَّداً بنطاقٍ معرفي لم يُقدَّر له أن ينفذَ منه إلا بسلطان . وعن هذا السلطان سأتحدَّثُ إن شاء الله في منشورٍ لاحق سوف أتطرَّقُ فيه إلى هذا الذي جعلَ آحاداً من بني آدم يُحيطونَ بإذنِ اللهِ تعالى بما لم يُحِط بشيءٍ من علمِه إنسان.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s