في معنى قوله تعالى “إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ”

إذا كانت قوانينُ الوجودِ وأسبابُه تفعلُ في الوجودِ ما تفعل بإذن الله الذي هو مَن خلقَها وسلَّطها عليه وأجازَها بأن تُسيِّرَ شؤونَه بإذنه، فإنَّ هذه القوانينَ والأسباب ليست بقادرةٍ على أن تحولَ دون أن يتسلَّطَ اللهُ عليها تسلُّطاً يسلبُها قدرتَها على الفعلِ والتأثير. ولذلك كان أمرُ اللهِ مفعولاً، ولذلك أيضاً كان أمرُ اللهِ قَدراً مقدوراً، ولهذا وذاك كان اللهُ غالباً على أمره فلا أحدَ بمقدورِهِ أن يحولَ بالتالي دون نفاذِ أمرِه وتحقُّقِ مشيئتِه ومضاءِ إرادتِه: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) (من 47 النساء)، (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورً) (من 38 الأحزاب)، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) (من 21 يوسف).
وإذا كان هذا هو حالُ “أمرِ الله”، تعالياً وتسلُّطاً على قوانينِ الوجودِ وأسبابِه، فإنَّ “تأخُّرَ أمرِ الله” لا يعني على الإطلاق أنَّ هناك ما بمقدورِه أن “يؤخِّرَ” مجيءَ هذا الأمر! فاللهُ تعالى جعلَ أمرَه لا يجيءُ إلا بقدَرٍ مأجولٍ بأجَلٍ مسمى، و”تأخُّرُ” مجيءِ أمرِ الله لا يُعبِّر عن الحقيقة قدرَ ما يعبِّرُ عن هذا الذي هو عليه الإنسانُ من عجزٍ عن صياغةِ التصوُّرِ الأمثل لعلاقةِ اللهِ تعالى بالوجود؛ هذه العلاقة التي وحدَه اللهُ تعالى هو مَن بوسعِهِ أن يُحيطَ بتفاصيلِها كافة.
وهذا هو ما جاءتنا به سورةُ الطلاق في الآية الكريمة 3 منها: (إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا). فتسلُّطُ اللهِ تعالى على الوجودِ يُحتِّمُ ألا يكونَ بمقدورِ أي مخلوق على الإطلاق أن يحولَ دون بلوغِ اللهِ تعالى أمره، كما ويوجِبُ أيضاً ألا يكونَ بمقدورِ أي مخلوق على الإطلاق أن يُحدِّدَ “متى” يجيءُ أمرُ الله! فالأمرُ لله الذي هو بالغُ أمرِه، وأمرُ اللهِ لن يجيءَ إلا وفقاً لما سبقَ وأن قدَّرَه اللهُ فجعله الأجلَ الذي “إن حان” جاءَ أمرُه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s