معنى كلمة “برهان” في القرآن (1)

سبق لي وأن تحدثتُ في منشوراتٍ عدة عن تمايُزِ لغةِ القرآنِ العظيم عن لغتِنا العربية الدارجة. فالقرآنُ العظيم أنزلَه اللهُ تعالى بلسانٍ عربيٍّ مُبين، ولسانُ العربِ اليومَ أبعدُ ما يكون عن ذاك اللسانِ العربي المبين الذي تنزَّلَ به القرآنُ العظيم. ولذلك فإن قراءةَ آياتِ القرآنِ العظيم بلسانِنا ليس لها بالضرورة أن تنتهيَ بنا إلى الوقوعِ على المعنى الذي تنطوي عليه آياتُه الكريمة هذه. فقد يكونُ لكلمةٍ ما معنىً سوف نقعُ في خطأٍ فادحٍ جسيم إن نحنُ أصررنا على أنَّ هذا المعنى هو ذاتُه الذي تنطوي عليه كلمةٌ قرآنيةٌ كريمة تتطابقُ معها في المبنى.
لنأخذ مثالاً على ذلك كلمة “برهان”. فوفقاً لعربيتنا الدارجة فإن كلمة “برهان” تُشيرُ إلى كلِّ ما بوسعِهِ أن يبرهن على صوابِ فكرةٍ ما. وهذا الذي بوسعه أن يتكفَّل بإيرادِ هذا “البرهان” له أن يستقي من أحكام المنطق وقواعدِه، كما له أن ينهلَ من مَعينِ التجربة والاختبار. غير أنَّ كلمة “برهان”، كما وردت في القرآنِ العظيم، لا تحتملُ أياً مما تقدَّم. فنحن إن تدبَّرنا كافةَ المواطن القرآنية الجليلة التي وردت فيها كلمة “برهان”، فلن يكونَ بالعسير علينا أن نتبيَّنَ أن هذه الكلمة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالمنطق أو العقل أو التجربة أو الاختبار! فكلمة “برهان” وردت في ستةِ مواطنَ قرآنيةٍ جليلة بمعنى ذي صلةٍ بما أنزلَهُ اللهُ تعالى صحفاً وزبوراً وتوراةً وإنجيلاً وقرآناً، ومن هذه المواطن: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) (174 النساء)، (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُون) (24 الأنبياء).
كما ووردت كلمة “برهان” في موطنَين قرآنَين إثنين بمعنى ذي صلةٍ بتجلِّي أمرِ اللهِ تعالى تدخُلاً مباشراً في سيرِ أحداثِ هذا الوجود خَرقَ اللهَ تعالى به المألوفات خرقاً لا يزالُ حتى هذا اليوم يُحيِّرُ العقولَ والألباب: (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ. اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (31- 32 القصص)، و(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين) (24 يوسف).
يتبيَّنُ لنا من تدبُّرِ ما تقدَّم من آياتٍ كريمة أنَّ كلمة “برهان” في القرآنِ العظيم لم ترد على الإطلاق بمعنى يتماهى مع المعنى الذي ترِدُ به هذه الكلمة على ألسنتنا اليوم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s