في معنى قوله تعالى “لَيْسُوا سَوَاءً”

يجنحُ عقلُ الإنسانِ إلى إطلاقِ الأحكامِ بتعميمٍ لا يُراعي خصوصيةً ولا يحرصُ على تبيُّنِ ما يتمايزُ به الأفرادُ وإن كانوا مُنضوين تحت لواءٍ واحد! وما ذلك إلا لأنَّ عقلَ الإنسانِ ينهلُ من دماغٍ ذا باعٍ تطوُّريٍّ موغِلٍ في القِدَم روَّضتهُ خوالي الأيامِ بمِحَنِها وتجاربِها حتى أصبح شحيحاً قتوراً فلا يُنفِقُ من طاقتِهِ إلا أقلَّ ما بالإمكانِ إنفاقُه. ولقد نجمَ عن هذا الشُّحِّ والتقتير ما جعلَ الإنسانَ غيرَ ميَّالٍ إلى إنفاقِ طاقةِ عقلِهِ على تبيُّنِ ما تتمايزُ به الأشياءُ والأفرادُ والحالات! وهذه هي علةُ ما ابتُلي به عقلُ الإنسانِ من تعميمٍ جرَّ عليه ما جرَّ من وبيلِ الشرور!
فإذا كان هذا هو الأساسُ الفسيولوجي الذي بمقتضاهُ أضحينا على ما نحن عليه من نزوعٍ إلى التعميم، وانصرافٍ عن إيلاءِ ما تستحقُّهُ كلُّ حالةٍ من “التبيُّن” والتمحيص والتمييز، فإنَّ إدمانَنا هذا التعميمَ قد رسَّخَته فينا نوازِعُنا السوسيولوجية التي تُملي علينا وجوبَ ألا نتروى أو نتأنى في إطلاقِ الأحكامِ على الأفرادِ والجماعات!
ولذلك فلقد حذَّرنا القرآنُ العظيم من مغبَّةِ عدم “التبيُّن” هذا فجاءتنا سورةُ الحجرات بما ورد في آيتِها الكريمة 6 (فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين). وهذا “التبيُّن” هو ما ينبغي أن يكونَ عليه حالُ مَن آثرَ إطاعةَ اللهِ ورسولِه صلى الله تعالى عليه وسلم على إطاعةِ النفسِ وهواها. فالقومُ من أهلِ الكتابِ ليسوا سواءً حتى يعجلَ فيهم الجُهَّالُ فيقولوا فيهم ما لم يقُلهُ القرآنُ العظيم، وإلا فكيف يُعلِّلُ هؤلاءِ الجُهال لِما جاءتنا به سورةُ آل عمران في الآيات الكريمة 113- 115 منها (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ). وهذا “التبيُّن” ينسحبُ على كلِّ “حالةٍ” يضطرُّنا عقلُنا البشري، الذي أدمنَ التعميم، إلى الخوضِ فيها دون تمييزٍ أو تمحيص، فنعجلُ في هذا أو ذاك من بني جلدتِنا البشر فنُيصبُه بجهالةٍ فنُصبحُ على ما فعلنا نادمين، لا لشيءٍ إلا لمجردِ أنَّه ينتمي إلى قومٍ أو جماعةٍ أو عرقٍ أو دينٍ أصدرَ عليهم عقلُنا هذا حُكماً نهائياً بالضلالِ المُبين.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s