معنى التبعيض في القرآنِ العظيم

يقرأُ كثيرٌ منا القرآنَ العظيم كما يحلو له؛ فهو يجتزئُ منه ويقتطعُ ما يظنُّ أنه يتناغمُ مع أفكارِهِ وتصوراته! ولذلك فإنَّ كثيراً منا يقتطعُ من سورة التين آيتَها الكريمة 4، وذلك للتدليل على عظَمةِ الإنسانِ وتفوُّقِهِ على باقي المخلوقات (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ). ولو أننا أنصَفنا القرآنَ العظيم لجاءت قراءَتُنا لهذه الآية الكريمة في سياقِها القرآني؛ هذا السياق الذي يُحتِّمُ علينا وجوبَ أن نُتبِعَ هذه الآيةَ الكريمة بما يليها من الآيات، فتكون القراءةُ الصائبةُ لها هي: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِين. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (4- 6 التين). وبذلك فإن الآية الكريمة 4 من سورة التين لا يمكنُ الاحتجاجُ بها للتدليلِ على أنَّ الإنسانَ أفضلُ من غيرِه من المخلوقات!
ولقد تسبَّبت هذه القراءةُ “الاجتزائية- الاقتطاعية” لآياتِ القرآنِ العظيم في وقوعِ الكثيرِ منا في أخطاءٍ جسيمة جعلتنا عاجزين عن الإحاطةِ بما يُريدُه القرآنُ العظيمُ منا! فعلى سبيل المثال، فنحن نقرأُ في سورة الكهف (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ونظنُّ أننا بذلك مُحِقُّونَ في هذا الذي نحن عليه من ابتهاجٍ وافتِتان بالمالِ والبنين، وذلك طالما ذكرَ القرآنُ العظيم بأنهما زينة الحياةِ الدنيا! وبذلك فإننا نكونُ قد افترَينا على اللهِ الكذب بهذا الذي نزعم، والذي هو يتناقضُ بالتمامِ والكلية مع مقصودِ هذه العبارةِ الجليلة؛ هذا المقصودُ الذي كنا لنقعَ عليه حتماً لو أننا قرأناها في سياقها القرآني الذي جاءتنا به الآية الكريمة 46 الكهف (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا).
أختمُ بمثالٍ آخر. فنحن نقرأ في سورة طه العبارةَ الجليلة (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)، ونظنُّ أن هذه العبارةَ تكفينا برهاناً ودليلاً على أن نستزيدَ من لذيذِ الطعامِ والشراب، وننسى أننا بذلك نكونُ قد فعلنا عكسَ ما كنا لنفعلَه لو أننا قرأناها في سياقها القرآني كما جاءتنا به هذه السورة في آيتِها الكريمة 81 (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى).
وهكذا فإنَّ مَن يقتطعُ ويجتزئُ من القرآنِ العظيم ما يحلو له من كلام الله تعالى، إنما يكونُ بذلك قد سارَ على خُطى مَن سبقونا من الأمم من الذين قالَ فيهم القرآنُ العظيم إنهم كانوا “يؤمنون ببعضِ الكتابِ ويكفرونَ ببعض”: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (من 84 البقرة).
وبذلك فإنَّ أيَّ اجتزاءٍ أو اقتطاعٍ من القرآنِ العظيم هو في حقيقةِ الأمرِ “تبعيضٌ” لكلامِ اللهِ تعالى يجعلُنا من أولئكَ الذين “بعَّضوا الكتابَ” من قبل. وبذلك يتبين لنا أن تبعيضَ القرآنِ العظيم هو ما يقومُ به البعضُ منا وذلك عندما يجتزئُ بعضاً منه ويُعرِضُ عن بعض.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s