في معنى قوله تعالى “وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ”

نظنُّ ونتوهَّمُ أنَّ اللهَ تعالى “مُلزَمٌ” بأن يفعلَ ما تُمليه عليه قوانينُ الوجودِ وأسبابُه! كيف لا وهو الذي سبقَ وأن خلقَ هذه القوانينَ والأسباب وأجازَ لها أن تفعلَ في الوجودِ ما قدَّر لها، وذلك لتجريَ وقائعُ الوجودِ وتحدثَ أحداثُه وتتجلى ظواهرُه وفقاً لما تقضي به مشيئتُه تعالى؟! وفي هذا الظنِّ الواهمِ ما فيه من افتراءٍ على اللهِ واجتراءٍ وافتراضٍ جاهلٍ وإملاء! فكيفَ يكونُ لنا أن نُملِيَ على اللهِ تعالى ما ينبغي عليه أن يفعلَه وما لا يفعله؟!
إنَّ هكذا “سوءَ أدبٍ” مع اللهِ ما كان لنا أن نكونَ عليه لولا أنَّه حصيلةُ ونِتاجُ سوءِ حالِنا معه تعالى! فلو أنَّنا قدَرنا اللهَ حقَّ قدرِه وأيقنَّا حقَّ الإيقانِ بأنَّ للهِ “الكلمةَ العليا” وأنَّ له “السلطةَ المطلقة”، أما كان ذلك لينعكسَ علينا، وعلى حالِنا مع اللهِ تعالى، بكلِّ ما من شأنِه أن يجعلَنا نفكِّرُ ألفَ ألف مرة قبل أن نظنَّ باللهِ ظناً كهذا قال فيه القرآنُ العظيم: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (23 فصلت).
والآن لنتدبَّر الآيات الكريمة التالية: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (من 253 البقرة)، (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) (من 1 المائدة)، (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (من 107 هود). يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ هذه الآياتِ الكريمة أنَّ اللهَ تعالى “غيرُ مُلزَم” على الإطلاق بأن يتقيَّد بقوانينِه وأسبابِه، وأنَّ له أن يتدخَّلَ تدخلاً مباشراً يتسلَّطُ بمقتضاه على هذه القوانينِ والأسباب تسلُّطاً تتجلى به حقيقةُ أنَّه يفعلُ ما يُريد حتى وإن كان في ذلك ما يتعارضُ التعارضَ كلَّه مع ما تقضي به أسبابُه وقوانينُه هذه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s