في معنى قوله تعالى “فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ”

كنتُ قد تحدثتُ في منشوراتٍ عدة عن بعضٍ مما تنطوي عليه العبارة القرآنية الجليلة “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ” من معنى. وهذه العبارةُ القرآنيةُ الجليلة قد تكررت في القرآنِ العظيم بصياغاتٍ عدة تنطوي على ذات المعنى. ومن بين هذه الصياغاتِ القرآنيةِ الجليلة ما بوسعنا أن نتبيِّنه بتدبُّرنا الآية الكريمة (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) (12 غافر). فعبارة “فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ” هي تجلٍّ آخر لعبارة “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ”، وتنطوي هاتان العبارتان الجليلتان على المعنى ذاته؛ هذا المعنى الذي يؤكِّدُ “تسلُّطَ اللهِ” على الوجودِ بكلِّ ما فيه “تسلُّطاً” لا يدعُ الوجودَ ينفردُ به ما سبقَ للهِ تعالى وأن بثَّه فيه من قوانينَ وأسباب كفلت لوقائعِه وأحداثِه وظواهرِه أن تحدثَ بإذنِه. فهذه القوانينُ والأسبابُ يتسلَّطُ عليها “أمرُ الله” الذي إذا جاءَ تجلَّى مجيؤه بكلِّ ما من شأنِه ألا يجعلَ لها أيَّ تأثيرٍ في مُجرياتِ أحداثِ الوجود.
إلا أن ما ينبغي ألا يغيبَ عن بالِ المتفكِّرِ المتدبِّرِ المُدَّكِر هنا، هو أنَّ الأمرَ لله والحكمَ لله، فإن شاءَ أبقى أحداثَ الوجودِ تنفردُ بها أسبابُه وقوانينُه تعالى، وإن شاءَ تسلَّطَ عليها بأمرِهِ فيحولُ تسلُّطُه هذا دون أن يكونَ لهذه الأسبابِ والقوانين ما تؤثِّرُ به في مُجرياتِ أحداثِ الوجود.
ولذلك فإنَّ مما يقتضيه أن يؤمنَ الواحدُ منا باللهِ حقَّ الإيمان هو ألا يُقحِمَ عقلَهُ في تلك الأمورِ التي قضى قدَرُ اللهِ تعالى بأن تكونَ بعيدةً كلَّ البُعدِ عن إدراكِنا المحدود! فالحُكمُ لله وليس الحكمُ هو ما تحكمُ به عقولُنا هذه! ومادام الحكمُ لله، فلا ينبغي علينا إذاً أن “نُملِيَ” على اللهِ تعالى ما ينبغي أن يكونَ عليه هذا الأمرُ أو ذاك من أمورِ هذه الدنيا! فليس من الإيمان بالله تعالى أن نعجلَ أمرَ الله الذي للهِ وحده أن يُجلِّيَه لوقته. وليسَ من الإيمانِ باللهِ تعالى أن نفترضَ أن على الأحداثِ أن تجريَ وفقاً لما تشاءُ النفسُ ويقضي به هواها! فالحكمُ لله تعالى وهو العليُّ الذي لا يعلو فوق أمرِه أمر، هو الكبيرُ الذي دونه كلُّ كبير.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s