هل يستطيعُ العلمُ أن يُعلِّلَ لاستثنائية الإنسان؟ (1)

لا جدالَ في أن العلمَ الذي بين أيدينا قادرٌ على أن يُعلِّلَ لكلِّ صغيرةٍ وكبيرة، ولكلِّ شاردةٍ وواردة، تخص الحيوان. فالحيوانُ “كائنٌ معلومٌ”، وذلك بالمقارنةِ مع الإنسان الذي لا يزالُ العلمُ عاجزاً عن أن يُعلِّلَ لهذا الذي هو عليه من “استثنائية” وتفرُّد! ويتفاقمُ الأمرُ سوءاً عندما نستذكرُ ما يُلِحُّ به العلمُ علينا بضرورةِ أن نقولَ في الإنسانِ ما يقولُه هو فيه من أنَّ “الحيوان هو أصلُ الإنسان”! فكيف يستقيمُ أن يكونَ الحيوانُ هو أصل الإنسان في الوقت الذي يُظهِرُ فيه الإنسانُ تمايزاً عن الحيوان يصلُ حدَّ التناشز؟! فكلُّ ما هو موزونٌ منضبطٌ عند الحيوانِ، نراه عند الإنسانِ مختلاً مفتقراً إلى الانضباطِ والاتزان! فما الذي حدث فجعلَ من الإنسانِ يشذُّ هذا الشذوذَ كلَّه عن كلِّ ما هو “طبيعي”؟
إنَّ عجزَ العلم الذي بين أيدينا عن التعليلِ لفرادةِ واستثنائيةِ الإنسان إنما هو دليلٌ على أنَّ القولَ بأنَّ “الإنسانَ أصلُه حيوان” لا دليلَ عليه ولا برهان! فلو كان الإنسانُ حيوانيَّ الأصلِ فحسب، أما كان ذلك ليجعلَ من العلمِ ينجحُ في التعليلِ لصغيرِ ما في الإنسانِ وكبيرِه، نجاحَه في التعليلِ لصغيرِ ما في الحيوانِ وكبيرِه؟!
إنَّ “استثنائيةَ الإنسان” تقتضي منا وجوبَ الإقرارِ بأنَّ “شيئاً ما” لابد وأن يكونَ قد حدثَ في ماضيه فجعلَه يشذُّ هذا الشذوذَ كلَّه عما كان عليه قبلها، وأنَّ هذا “الشيءَ الآخَر” لا يمكنُ أن يكونَ مفردةً من مفرداتِ عالَمنا هذا، وإلا أما كنا لنقعَ عليه ونُحيطَ به؟! وهذه “الاستثنائيةُ” التي يتمايزُ بها الإنسانُ عن الحيوانِ تُطالبُ العلمَ الذي بين أيدينا بأن يكونَ أكثرَ تواضعاً فيُبادرَ إلى الإقرارِ بأنَّ عجزَه عن التعليل لها نابعٌ من انتفاءِ توفُّرِ ما يكفي من المعرفةِ بكافةِ التفاصيلِ التي ينطوي عليها ماضي الإنسان؛ هذه التفاصيل التي لن يضيرَ العلمَ شيئاً لو أنَّه التجأ إلى مَن بمقدورِهِ أن يُقدِّمَها له!
إن “طغيان الإنسان” هو واحدٌ من بين تجلياتِ “استثنائية الإنسان” (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى) (6 العلق). وهذا الطغيان لا يمكنُ أن يكونَ مما بإمكانِ العلمِ أن يُعلِّلَ له طالما كان العلمُ يُلِحُّ على أن الإنسانَ “كائنٌ طبيعي”! فهل وجدَ العلمُ في الطبيعةِ كائناً آخر غيرَ الإنسانِ على هذا القدرِ من الطغيانِ حتى يقولَ فيه إنه “كائنٌ طبيعي” مثل باقي كائنات الطبيعة؟!
وحدَه دينُ اللهِ تعالى هو مَن بمقدورِه أن يُعلِّلَ لاستثنائيةِ هذا الإنسان ولما هو عليه من عظيمِ طغيانٍ. فدينُ اللهِ تعالى لا يُطالبُنا بأن “نقصُرَ” ماضي الإنسانِ على ذاك الذي يقولُ به العلم؛ هذا العلم الذي لن يكونَ بمقدورِه على الإطلاق أن يعرفَ ما يعرفُه دينُ اللهِ تعالى عن الإنسان.
لقد جاءنا دينُ اللهِ تعالى بما يجعلُ منا قادرينَ على أن نُعلِّلَ لاستثنائيةِ الإنسانِ، ولما هو عليه من طغيان، وذلك بما جاءنا به من أنباءِ وقصَصِ أبوَينا، آدم وزوجِه، اللذين كانا السببَ من وراءِ استثنائيةِ الإنسانِ هذه وذلك بأكلِهما من تلك الشجرةِ التي أنبأنا دينُ اللهِ تعالى بأنها من عالمٍ غيرِ عالَمِنا هذا؛ ذلك العالمُ الذي يوجدُ على أرضٍ أخرى غيرَ أرضِنا هذه.
وبذلك تتبيَّنُ لنا العلةُ من وراءِ إخفاقِ العلم في التعليلِ لاستثنائيةِ الإنسان؛ إذ كيف كان بإمكانِ العلمِ أن يُعلِّلَ لها في الوقت الذي يُصرُّ فيه على أنَّ الإنسانَ نشأَ وتطوَّرَ على أرضِنا هذه فحسب!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s