التعالي الإلهي من تجلياتِ تسلُّطِ اللهِ على الوجود

ما كان لأسبابِ الوجود وقوانينِه كلِّها جميعاً أن تَحولَ دون نفاذِ “أمرِ اللهِ إذا جاء”، حتى وإن كان في ذلك ما يتعارضُ مع ما تقضي به هذه القوانينُ والأسبابُ التي سبقَ للهِ وأن خلقَها وبثَّها في أرجاءِ هذا الوجودِ لتسيرَ بها أمورُه بإذنِه تعالى. فقدرةُ اللهِ لا تُحدِّدُها قوانينُ الوجودِ وأسبابُه، وذلك طالما كان للهِ أن يتدخَّلَ على الدوام تدخلاً مباشراً في وقائعِ وظواهرِ وأحداثِ الوجودِ. وتدخلُ اللهِ المباشرُ هذا هو البرهانُ على أنَّه تعالى متسلِّطٌ على هذه القوانينِ والأسباب، وعلى أنَّ له تعالى بالتالي السلطةَ المطلقةَ على الوجود. ولذلك فإنَّ كلَّ تحديدٍ لقدرةِ اللهِ تعالى بمحدِّداتٍ تفرِضُها هذه القوانينُ والأسباب، سوف ينتهي بنا لا محالة إلى الوقوعِ في خطأٍ جسيم؛ إذ كيف يستقيمُ أن نقولَ إنَّ اللهَ الذي خلقَ قوانينَ الوجودِ وأسبابَه “يعجزُ” عن أن يأتيَ بما يتعارضُ مع ما تقضي به هذه القوانينُ والأسباب؟!
ولذلك فلقد شدَّدَ القرآنُ العظيم على هذا الذي ينبغي أن يكونَ عليه التصَّورُ الأمثلُ لعلاقةِ اللهِ بالوجود، وعلى أنَّ هذا التصورَ ينبغي ألا يجعلَنا ننسى أنَّ اللهَ هو المُتسلِّطُ المتعال، وذلك كما ورد في الآية الكريمة (َالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) (9 الرعد). فتعالي اللهِ إذاً هو مظهرٌ من مظاهرِ التسلُّطِ الإلهي على هذا الوجود؛ هذا التسلُّطُ الذي للهِ تعالى من الأدلةِ والبراهين عليه ما يكفي العقلَ المتدبِّرَ المتفكِّرَ حتى يُقِرَّ بأنه ما قدَرَ اللهَ حقَّ قدرِه مَن حدَّدَ قدرتَه تعالى بأسبابِه وقوانينِه. إن تسلُّطَ اللهِ تعالى على الوجودِ حقيقةٌ من حقائقِ هذا الوجودِ، والتي ما كنا لنقعَ عليها ولا لنُحيطَ بها لولا أنَّ القرآنَ العظيم جاءنا بنبأٍ عنها. فيكفينا أن نستذكرَ الآية الكريمة (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) (من 114 طه).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s