ما الذي جعلَ صاحباتِ امرأة العزيز يُقطِّعن أيديَهن لما رأينَ سيدَنا يوسف؟

حفظت لنا سورةُ يوسف بعضاً من قَصَصِ سيدِنا يوسف عليه السلام. وقَصصُ سيدِنا يوسف فيها من عجيبِ الأمورِ وغريبِها ما يُبرهِنُ على أنَّ هذا الوجودَ هو بقبضةِ اللهِ الذي أجازَ لطائفةٍ من القوانينِ والأسباب أن تُسيِّرَ أمورَه بإذنِه تسييراً مُحكَماً لا قدرةَ لمخلوقٍ على أن يتحكَّمَ فيه فيحولَ دون أن يتحقَّقَ ما سبقَ وأن قضت به مشيئةُ الله. كما وتُبرهِنُ هذه القصَصُ أيضاً على أنَّ هذه القوانينَ والأسباب لا تملكُ على الإطلاق ما يجعلُ منها تستعصي على “أمرِ اللهِ إذا جاء” بما يتعارضُ مع ما تقضي به؛ فللهِ “الكلمةُ العُليا”، وله تعالى “السلطةُ المطلقةُ” على كلِّ ما في الوجود.
ومن بينِ تجلياتِ هذه “السلطةِ المطلقة” التي يتسلَّطُ بها اللهُ تعالى على الوجودِ وما فيه هو ما بوسعِنا أن نتبيَّنه بتدبُّر ما جاءتنا به سورةُ يوسف في الآيتين الكريمتين 30- 31 منها: (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) (30- 31 يوسف). فما الذي جعلَ صاحباتِ امرأةِ العزيز يُقطِّعنَ أيديَهن لما رأين سيدَنا يوسف؟
يظنُّ كثيرٌ منا أنَّ الأمرَ يعود إلى ما كان عليه سيدُنا يوسف من حُسنٍ فائقٍ وجمالٍ باهر! وهذا ظنٌّ لا يستقيمُ مع منطقِ الأمور؛ إذ كيف يُعقَل أن يكونَ ردُّ فعلِ كلِّ واحدةٍ من أولئك النسوة هو أن تسارعَ إلى أن تُقطِّعَ يدَها وأن لاتشعرَ بأيِّ ألمٍ جراءَ ذلك على الإطلاق؟! إذاً فالذي جعل هؤلاء النسوة يفعلن في أنفسِهن ما فعلن لابد وأن يكونَ ذا صلةٍ بما “ألقاهُ” اللهُ تعالى على سيدِنا يوسف من قدرةٍ “غير طبيعية” على أن يجعلَ مَن تنظرُ إليه من النساء تفعلُ في نفسِها عينَ ما فعلت تلك النسوة!
إذاً فإنَّ الأمرَ ليس عائداً إلى “حُسنٍ وجمال” تتكفَّلُ بالتعليلِ لهما هذه الطائفةُ من إسبابِ الوجودِ وقوانينِه أو تلك، ولكنه يعودُ إلى ما للهِ تعالى من تسلُّطٍ مطلقٍ على أسبابِ الوجودِ وقوانينِه كلِّها جميعاً؛ تسلُّطاً تعجزُ العقولُ عن الإحاطةِ بتجليَّاتِهِ والوقوعِ على أسرارِه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s