في معنى قولِهِ تعالى “إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى”

ما كان اللهُ ليدعَ الإنسانَ تنفردُ به الظنونُ والأوهام، وتتسلَّطُ عليه النفسُ ويُعينُها على ذلك الهوى فيَضلُّ بذلك الضلالَ المُبين البعيد، دون أن يتولاهُ برحمةٍ من لدنه تتكفَّلُ بتبيانِ ما يتوجَّبُ عليه أن يفعلَه ليسعدَ في دُنياهُ وأُخراه. فالإنسانُ وحده عاجزٌ عن أن يتبيَّنَ الصراطَ المستقيم، وإن كان يظنُّ خلافَ ذلك! ولقد أنبأ اللهُ سيدَنا آدم قبيلَ هبوطِه من جنةِ المأوى إلى أرضِنا هذه بهذا الذي سوفَ يقومُ به تعالى من إرسالِ أنبياءَ مُرسَلين لن يكونَ بمقدورِ الإنسانِ أن يهتديَ بغيرِهم (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (38- 39 البقرة).
ولذلك فإنَّ كلَّ محاولةٍ من جانبِ الإنسان ليُحدِّدَ وحدَه “سبيلَ الرُّشد” سوف تنتهي به بعيداً عن هذا السبيل، ولن يكونَ ما ستنتهي إليه محاولتُهُ هذه إلا إيغالاً في التخبُّطِ في متاهاتِ “سبيلِ الغَي”. فالهدى هدى الله، وهدى الله هو الهدى، والهادي هو الله ولا هاديَ سواه (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون) (35- 36 الأعراف).
ولقد جاءتنا سورةُ الليل في الآية الكريمة 12 منها بما يُبيِّنُ هذا الذي ألزمَ اللهُ تعالى بهِ نفسَه من هدايةِ الإنسانِ إلى “تبيُّنِ” سبيلِ الرُّشد (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى). فاللهُ تعالى هو الذي هدى الإنسانَ إلى تبيُّنِ السبيلِ إلى حيثُ تكونُ نجاتُه. والأمرُ بعد ذلك عائدٌ إلى الإنسانِ، فإن شاءَ اهتدى بهَدي الله، وإن شاءَ اتَّخذَ إلهَه هواه فأضلَّه الله (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (3 الإنسان).
يتبيَّنُ لنا إذاً بتبيُّنِ ما تقدَّم أنَّ “اهتداءَ” الإنسانِ إلى اللهِ أمرٌ عائدٌ إلى اللهِ بالتمامِ والكلية. فلا عقلُ الإنسانِ، ولا نفسُه ولا هواه، مؤهَّلٌ أيٌّ منهم ليَهتديَ به الإنسانُ إلى الله. فمهما عظَّمَ الإنسانُ عقلَه فلن يكونَ بمقدورِ هذا العقلِ أبداً أن يهتديَ وحدَهُ إلى اللهِ. ولذلك كان حقيقاً على اللهِ أن يتكفَّل هو بهدايةِ الإنسانِ إليه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s