في معنى قوله تعالى “وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ”

كانت بدايةُ طوفانِ سيدِنا نوح عليه السلام واحدةً من تجلياتِ “أمرِ اللهِ إذا جاء”: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (27 المؤمنون)، (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) (40 هود).
و”أمر الله إذ يجيء” فإنه لا يستغرقُ من الزمان إلا ذاك القدر الذي فصَّلته سورةُ القمر في الآية الكريمة 50 منها (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ).
فبدايةُ الطوفان إذاً كانت حدثاً “آنياً”، “لَحَظياً”، “فورياً”، وذلك كحالِ غيرِهِ من تجلياتِ “أمرِ اللهِ إذا جاء”. وفي هذا ما فيه من بيانٍ وتبيانٍ وتبيين لهذا الذي هو عليهِ اللهُ من مطلقِ “تسلُّطٍ” على أسبابِ الوجودِ وقوانينه. فللهِ “السلطةُ المطلقةُ” على الوجودِ وعلى كلِّ ما فيه. فطوفانُ سيدِنا نوح ابتدأ هذه البدايةَ التي قدَّرَ اللهُ لها أن تتعارض مع ما نعرف من قوانينِ الوجودِ وأسبابِه؛ هذه القوانينُ والأسباب التي لا تسمحُ على الإطلاق بحدوثِ هكذا “حدثٍ استثنائي فريد”. ولكن أنى لـ “أمرِ اللهِ إذا جاءَ” أن تقفَ في وجهِ تجلِّيهِ قوانين أو أسباب؟
فإذا كانت بدايةُ الطوفان هذا هو وصفُها الأمثل، فإنَّ خاتمة هذا الطوفان كانت هي الأخرى واحدةً من تجلياتِ “مجيءِ أمرِ الله”. وهذا هو ما يتبيَّن لنا بتدبُّرِنا ما جاءتنا به سورةُ هود في الآية الكريمة 44 منها (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْر). فما أن “جاءَ أمرُ اللهِ” حتى ابتلعت الأرضُ ماءَها، وأغلقت السماءُ أبوابَها، فغاضَ الماءُ وتلاشى بذلك الطوفان. وكلُّ هذا لم يستغرق، هو الآخر، من الزمان إلا ما يقتضيه الأمرُ عادةً حتى يقضيَ اللهُ أمرَه الذي كان مقضياً مفعولا.
وهذه النهايةُ “الآنيةُ”، “اللحَظيةُ”، “الفورية”، هي العلةُ من وراءِ عجز علماء الجيولوجيا عن التثبُّت مما جاءنا به دينُ اللهِ تعالى من أنباءِ الطوفان. فليس في كتبِ هؤلاءِ العلماء ما يُشيرُ، من قريبٍ أو بعيد، إلى إمكانيةِ حدوثِ حدثٍ بهكذا مواصفاتٍ استثنائيةٍ فريدة. فحتى يتلاشى ماءُ الطوفانِ وينحسر، فإن ذلك يقتضي مدةً من الزمان تُقدَّرُ، وفقاً لما تقضي به قوانينُ الجيولوجيا، بما لا يتناسبُ على الإطلاقِ مع “آنيةِ” و”لحَظية” و”فورية” هذا الاختفاء كما جاءنا به دينُ الله تعالى! فما كان للاختفاء الآني اللحَظي الفوري لماءِ الطوفان أن يتخلَّفَ عنه من الآثارِ “الجيولوجية” ما يدلُّ عليه. وهذا هو كلُّ ما في الأمر.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s