في معنى قوله تعالى “أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ”

لا اختلافَ بين البشرِ وإن فرَّقتهم الأعراقُ والأزمانُ والأماكن. فالناسُ في كلِّ زمانٍ، وفي أيِّ مكانٍ، هم الناس الذين كانوا من قبلُ والذين سيأتون من بعدُ. وهذا الذي هو عليه الإنسانُ، في كلِّ زمانٍ ومكان، ومهما تمايزت الأعراقُ والأجناسُ والألوان، عِلَّتُه هو ما جاءنا به القرآنُ العظيم من تبيانٍ مُبين لحقيقةِ هذا الإنسان؛ هذه الحقيقة التي لن نُحيطَ بها على ما هي عليه حقاً وحقيقة إلا بأن نستذكرَ بعضاً مما جاءَنا به القرآنُ بشأنِ أصلِ الإنسانِ وخِلقتِه: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (من 28 النساء)، (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (من 54 الكهف)، (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ) (37 الأنبياء).
فلقد جاءتنا سورةُ الأعراف، وفي الآية الكريمة 150 منها، بما ليس بإمكانِنا أن نتبيَّنَ حقيقتَه إن نحن لم نتدبَّر هذه الآية الكريمة على ضوءٍ من الآيات الكريمة الثلاث أعلاه (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) (من 150 الأعراف). فالقوم عجِلوا “أمرَ الله” وظنوا أن بإمكانهم أن يُملوا على اللهِ ما كانوا يظنون أنَّه ما ينبغي أن يحدث ويكون، ظناً منهم وتوهماً ألا تمايزَ هناك على الإطلاق بين “منطق الإنسان” و”منطق الله”! ولذلك فلقد وبَّخ سيدُنا موسى قومَه فقال لهم ما حفِظته لنا الآية الكريمة 150 الأعراف أعلاه: “أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ”.
لقد أرادَ سيدُنا موسى من القومِ أن يتبيَّنوا هذا التمايزَ ما بين “المنطق الإنساني” و”المنطق الإلهي”. صحيحٌ أنَّ هذا الوجود، بقوانينِه وأسبابِه، قد كفلَ للإنسانِ أن يكونَ مطمئناً إلى رجاحةِ “منطقِه”، إلا أنَّ الإنسانَ قد استخلصَ من هذا التأييد ما ليس بمشتملٍ عليه، فظنَّ أن ليسَ بمقدورِ “منطقِ الله” أن يُخالِفَ عن هذا الذي يقضي به منطقُهُ. ولذلك فلقد وقرَ لدى الإنسانِ أنَّ بإمكانه أن يعجَلَ “أمرَ الله” مادام “المنطقُ” واحداً في ظنه! وهكذا فلقد فاتَ الإنسانَ أن يتبيَّنَ ما للهِ تعالى من سلطةٍ مطلقةٍ وتسلُّطٍ مطلق على أسبابِ الوجودِ وقوانينِه، وإلى الحدِّ الذي يجعلُ من “أمرِ الله” لا يجيءُ إلا وفقما تقضي به مشيئةُ اللهِ وإرادتُه. فأمرُ اللهِ مأجولٌ بأجلٍ مُحدَّدٍ فلا قدرةَ لمخلوقٍ على أن يُعجِّلَه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s