“كلماتُ الله” و”كن فيكون”

للعبارةِ الجليلةِ “كلمات الله” أن ترِدَ في القرآن العظيم بمعنى ذي صلةٍ بما اللهُ قادرٌ على أن يأتيَ به من وقائعَ وظواهرَ وأحداثٍ يتعارضُ حدوثُها مع ما تعارفنا عليه وتواضعنا على أنَّه النظامُ الذي فرضته على الوجودِ الأسبابُ والقوانينُ التي “أذِنَ” لها اللهُ بأن ينتظِمَ هذا الوجودُ وفقاً لما تقضي به. وتندرجُ في سياقِ هذه الوقائعِ والظواهرِ والأحداث تلك “الآياتُ” التي أيَّدَ اللهُ تعالى بها أنبياءَه المُرسلين. وكذلك تشتملُ هذه الوقائعُ والظواهرُ والأحداث على تلك التجليات التي يتبيَّنُ لمُتدبِّرِها مدى ما للهِ تعالى من “تسلُّطٍ ظاهر”ٍ و”سلطةٍ مطلقةٍ” على الوجودِ وموجوداتِه.
وهذه كلُّها جميعاً من “كلماتِ الله” التي جاءتنا بنبأٍ عنها سورةُ لقمان في الآية الكريمة 27 منها (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). وما تتمايزُ به وقائعُ وظواهرُ وأحداثُ “كلمات الله” هذه عن غيرِها من وقائعِ وظواهرِ وأحداثِ الوجود، هو أنها “تحدثُ بلمحِ البصر”. وما ذلك إلا لأنَّ “كلماتِ الله” هذه هي تجلياتٌ لـ “أمر الله” الذي ورد ذكرُه في الآية الكريمة (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) (50 القمر).
ولقد جاءتنا سورةُ الكهف بتوصيفٍ آخر لـ “كلمات الله” وذلك في الآية الكريمة 109 منها (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا).
ولكن، لماذا وُصفَت الوقائعُ والظواهرُ والأحداث التي تحدث بلمحٍ بالبصر بـ “كلمات الله”؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ أنَّ هذه الوقائعَ والظواهرَ والأحداث لا تحدثُ جراءَ ما بثَّهُ اللهُ في الوجودِ من أسبابٍ وقوانين؛ إذ أنها تحدثُ بقولِ اللهِ لها “كن فيكون”. ولما كانت “كن فيكون” تبتدئ بـ “كن”، فإنَّ كلماتِ الله إذاً هي تجلياتٌ لكلمة “كن” هذه. وهذا هو عينُ ما بإمكانِنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآية الكريمة (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) (من 171 النساء). فالمسيحُ عليه السلام هو “كلمةُ الله” التي عرَّفتها الآية الكريمة 59 من سورة آل عمران بأنها “كن فيكون” (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون).
إذاً فكلُّ كلمةٍ من “كلمات الله” هي تجلٍّ من التجليات اللانهائية لـ “كُن فيكون”؛ هذه التجليات التي ينجمُ عنها من عجيبِ الأمورِ وغريبِها ما لا قدرةَ لأسبابِ الوجودِ وقوانينِه كلِّها جميعاً على أن تأتيَ بها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s