في معنى قولِه تعالى “وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ”

تفرَّدَ اللهُ تعالى بـ “سلطةٍ مطلقةٍ” على الوجود لم يأذن لأحدٍ من خلقِه بأن يُشاركَهُ فيها. فاللهُ تعالى إلهٌ واحدٌ لا إلهَ غيرُه، وليس لأحدٍ من خلقِه أن يكون له ما يتنافى مع حقيقةِ كونِه مخلوقاً وكونِ اللهُ هو خالقُه (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) (111 الإسراء). ولذلك كان “حكمُ اللهِ” قاطعاً نهائياً ناجزاً فلا مُعقِّبَ له أبداً “وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ” (من 41 الرعد).
صحيحٌ أن هذا الوجودَ “تتحكم” فيه أسبابٌ وقوانينُ ليس لأيٍّ من مفرداتِه أن يُخالفَ عن أمرِها وأن يستعصي على حُكمها، إلا أن ما ينبغي ألا يغيبَ عن بالِنا أن اللهَ تعالى هو من أذِنَ لهذه الأسبابِ والقوانين بأن يكونَ لها هذه “السلطة”، وأنَّ للهِ تعالى “السلطةَ المطلقة” على الوجود وأسبابِه وقوانينِه. فاللهُ تعالى يتسلَّطُ على الوجودِ تسلُّطاً يجعلُ من وقائعهِ وأحداثِه وظواهرِه لا تملكُ من أمرِها شيئاً على الإطلاق؛ فهي إن كانت قد خُلِقت لتُطيعَ هذه الأسبابَ والقوانين بإذن الله، فإنها لم تُخلَق حتى تحولَ طاعتُها هذه دون أن تكونَ طائعةً للهِ الذي خلقَها وخلقَ تلك الأسبابِ والقوانين!
إنَّ تسلُّطَ اللهِ تعالى على الوجودِ يتجلى أيَّما تجلٍّ في كلِّ واقعةٍ أو حدثٍ أو ظاهرة يتبيَّن للعقل المتدبر في تفاصيلها أن إطاعتِها لأسبابِ الوجودِ وقوانينِه قد فُرِضت عليها من اللهِ الذي هو وحده من ليس لها أن تستعصيَ على “أمرِه إذا جاء” فجعلَ من تلك الأسبابِ والقوانين يتلاشى فعلُها ويزولُ تأثيرُها فلا يبقى إلا “فعلُ اللهِ” ظاهراً بأمرِه تعالى.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s