الذين أوتوا العلمَ” بين إجمالِ القرآنِ وتفصيلِه (1)

تطرَّقتُ في منشورٍ سابق إلى “إجمال” القرآنِ العظيم و”تفصيله”، وذلك في سياقِ الحديثِ عن انتفاءِ وجودِ أيِّ فرقٍ الإطلاق بين العبارتين القرآنيتَين الكريمتين: “السموات والأرض” و”السموات والأرض وما بينهما”. فللقرآنِ العظيم أن يُجمِلَ ويُفصِّلَ وفقاً لما قضت به حكمةُ اللهِ تعالى، والأمرُ ليس لما نظنُّ ونتوهَّمُ أنَّه المنطِقُ اللغويُّ القويم حتى يكونَ لنا أن نفترضَ أنَّ النصَّ القرآني محكومٌ عليه بألا يُخالِفَ عن أحكامِ هذا المنطقِ وقواعدِه! فالعبارةُ القرآنيةُ الكريمةُ “المُجمَلة” تنطوي على ذاتِ المعنى الذي تشتملُ عليهِ العبارةُ القرآنيةُ الكريمةُ “المُفصَّلة”، وهذه خَصيصةٌ تفرَّدَ بها القرآنُ العظيم وتمايزَ منطِقُهُ اللُّغوي بها عن منطِقِنا اللُّغوي.
وفي هذا المنشور سوف أسوقُ مثالاً آخر على ما لهذا “الإجمال” وهذا “التفصيل” القرآنيَّين من قدرةٍ على التمنُّعِ والاستعصاءِ على افتراضاتِنا وأحكامِنا. فلقد حفظَ لنا القرآنُ العظيم بعضاً من أنباءِ “الذين أوتوا العلمَ” ممن عاصروا رسولَ اللهِ، وهؤلاء هم من عُلماءِ “أهلِ الكتاب” الذين آمنوا به صلى الله تعالى عليه وسلم: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (6 سبأ)، (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (من 49 العنكبوت)، (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) (من 54 الحج).
ولقد ذكرَ القرآنُ العظيم “الذين أوتوا العلمَ” في موطنٍ آخر (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا) (107 الإسراء). يتبيَّنُ لنا بمضاهاةِ هذه الآية الكريمة بسابقاتها من الآيات الكريمة أعلاه أنَّ القرآنَ العظيم قد “فصَّلَ” و”أجملَ” إذ ذكرَ “الذين أوتوا العلم” تارةً بالصيغةِ هذه، وأخرى بصيغة “الذين أوتوا العلمَ من قبله”. كما ويتبيَّنُ لنا أيضاً أن لا فرقَ هناك بين هذه “الصيغةِ المُفصَّلة” وتلك “الصيغةِ المُجمَلة”؛ فكلتا الصيغتين تُشيرُ إلى ذاتِ الطائفة من أهلِ الكتاب ممن آمنوا باللهِ وبرسولِه صلى الله تعالى عليه وسلم.
إذاً فإن الصيغةَ المُجمَلة لـ “الذين أوتوا العلم” أصلُها هو الصيغةُ المُفصَّلَة لـ “الذين أوتوا العلمَ من قبلِه”، أي “الذين أوتوا العلمَ من قبلِ هذا القرآن”، وذلك لأنهم قد أوتوا العلمَ مُنزَّلاً من عندِ اللهِ تعالى في التوراةِ والإنجيل.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s