هل تختلف “السمواتُ والأرضُ وما بينهما” عن “السمواتِ والأرض” في شيء؟

انفردَ القرآنُ العظيم بلسانٍ عربيٍّ مُبين لا يُدانيهِ لسانٌ ناطقٌ بالعربيةِ على الإطلاق. فعربيةُ القرآنِ العظيم ذات خصائصَ استثنائيةٍ تفرَّدَت بها بياناً وتبييناً وتبياناً مُبيناً. ومتدبِّرُ القرآنِ العظيم لابد وأن يلمَسَ هذا التمايُزَ ما بينَ العربيةِ القرآنية والعربيةِ التي يتدبَّرُ آياتِه الكريمةَ بها.
ومن بين مفرداتِ هذا التمايُزِ ما بين اللسانِ القرآني ولسانِنا الذي نقرأُ به آياتِه الكريمة أنَّ لسانَ القرآنِ العظيم يستعصي في أحايينَ كثيرة على “المنطقِ اللُّغوي” الذي نحاولُ أن نفرضَه عليه فلا يُمكِّنُنا من ذلك مهما حاولنا جاهدين. فللقرآنِ العظيم منطِقُهُ اللُّغوي الخاصُّ به، وليس لهذا المنطقِ اللغوي القرآني أن يتطابقَ مع منطقِنا اللغوي حتى نظنَّ ونتوهَّمَ أنَّ هذه الآيةَ الكريمة أو تلك لابد وأن تعنيَ هذا المعنى أو ذاك، وذلك وفقاً لما تقتضيهِ قواعدُ وأحكامُ منطِقِنا اللغوي! فللهِ تعالى أن يُجمِلَ أو أن يُفصِّلَ كما يشاء، وليس لنا من الأمرِ شيءٌ حتى يكونَ لنا ما نشاء!
وفي هذا المنشور سوف أتطرَّقُ إلى مثالٍ على هذا “الإجمال” و”التفصيل”، وذلك كما بإمكانِنا أن نتبيَّنَهما بتدبُّرِنا الآيتين الكريمتين التاليتين: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) (59 الفرقان)، (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (من 3 يونس). فهل هناك من فرقٍ بين “خلق السموات والأرض وما بينهما” و”خلق السموات والأرض”؟
يتكفُّلُ بالإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ أنَّ للهِ تعالى أن “يُجمِل” و”يفصِّلَ” كما يشاء. فإذا ما شاء اللهُ تعالى أن “يُفصِّلَ” قال “خلقَ السمواتِ والأرض وما بينهما”، وإذا ما شاء أن “يُجمِلَ” قال “خلقَ السمواتِ والأرض”,
وبذلك يتبيَّنُ لنا ألا فرقَ هناك على الإطلاق بين هاتين الصيغتين القرآنيتين الكريمتين، وأنًّ اللهَ إذ “يُجمِلُ فإن هذا “الإجمالَ” منه تعالى ينطوي على “التفصيلِ” ضمناً. ففي كلِّ مرةٍ نقرأُ فيها أنَّ اللهَ تعالى “خلقَ السمواتِ والأرض”، فإنَّ قراءتنا هذه لا ينبغي أن تجعلَ منا نظنُّ ونتوهَّمُ أنَّ خَلقَ اللهِ للسموات والأرض في هذه الآية الكريمة يقتصرُ عليهما دون أن يطالَ “ما بينهما”.
إذاً فللهِ تعالى أن يذكرَ السمواتِ والأرضَ فـ “يُفصِّلَ” فيقول “السموات والأرض وما بينهما”، كما أنَّ له أن “يُجمِلَ” فيقول “السموات والأرض”، والأمرُ للهِ من قبلُ ومن بعد.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s