تسلُّطُ اللهِ على الإنسان ابتلاءً له وفتنة

هل بالإمكانِ أن نُعلِّلَ لهذا الذي هو عليه الإنسانُ من مفرداتٍ تمايزَ بها عن غيرِهِ من المخلوقاتِ البايولوجية، وذلك بأن “نكتفيَ” بما تأتى لنا الوقوعُ عليه من قوانينَ وأسبابٍ هي من جملةِ ما خلقَ اللهُ تعالى من قوانينَ وأسبابٍ بثَّها في عمومِ الوجودِ ليتسنى لوقائعِه وظواهرِه وأحداثِه أن تحدثَ بإذنه؟
إنَّ المُتدبِّرَ في أحوالِ بني آدم، وما هم عليه من تفرُّدٍ بايولوجي وسايكولوجي وسوسيولوجي، لابد وأن يضطرَّه ما سينتهي إليه من آراءٍ وأفكار إلى الإجابةِ على هذا السؤال بالنفي القاطع! ذلك أنَّ ما يحدثُ للإنسانِ لا يكفي للتعليل له أن نقصرَ نظرتَنا فنجعلَها لا ترى من “فواعلَ” تفعلُ فيه ما قُدِّرَ لها أن تفعلَ غيرَ تلك التي هي من جملةِ تلك الأسبابِ والقوانينِ التي أذِنَ اللهُ تعالى لها بأن تسيرَ أمورُ الإنسان وشؤونُه بمقتضاها. فهذه الأسبابُ والقوانينُ، التي قُدِّرَ للعلمِ أن يضعَ يدَهُ عليها، لا تكفي لأن تُزيحَ الغموضَ والإبهامَ اللذين يكتنفانِ حياةَ الإنسان.
وبذلك فإنَّ المتدبِّرَ في أحوالِ الإنسانِ لابد وأن يضطرَّه هذا “العجزُ” إلى الالتجاءِ إلى ما جاءَنا به القرآنُ العظيم من “حقائقَ” يتكفَّلُ الأخذُ بها بجعلِنا ننجحُ في إزاحةِ ما يكتنفُ حياةَ الإنسانِ من غموضٍ وإبهام. فلقد بيَّنَ اللهُ لنا في قرآنِه العظيم أنَّ ما من إنسانٍ هو بمنأى عن أن تفعلَ فيه “فواعلُ” مُتسلِّطةٌ على حياتِهِ بإذنِه تعالى تسلُّطاً لا مناصَ له منه ولا محيصَ له عنه ولا قدرةَ له على أن يُفلِتَ من مُحكَمِ قبضته، مهما اجتهد وحاول، ومهما تذرَّعَ بهذا السببِ أو بذاك القانون من أسبابِ الوجودِ وقوانينِه. وهذه “الفواعلُ” هي تجلياتٌ لما عرَّفنا به القرآنُ العظيم من “ابتلاءٍ” و”فتنةٍ” إلهيين. فاللهُ تعالى قد قدَّرَ الأقدارَ وكيَّفَها حتى يتحقَّقَ لكلِّ فردٍ من أفرادِ الجماعةِ الإنسانيةِ أن ينالَه نصيبٌ من هذه الفتنة وذاك الابتلاء.
وفتنةُ اللهِ تعالى وابتلاؤهُ للعباد هما من تجلياتِ تسلُّطِه على الإنسان؛ هذا التسلُّطُ الذي يُذكِّرُ بما للهِ تعالى من تسلُّطٍ على باقي مفرداتِ الوجودِ. فكما أن ليس لمخلوقٍ أن يستعصيَ على حُكمِ اللهِ وأمرِه إذا جاء، فكذلك فإنَّ كلَّ فردٍ من أفرادِ الجماعةِ البشرية خاضعٌ لما قد قُدِّرَ له أن يُعانيَ منه قدَراً مفروضاً ابتلاءً من اللهِ تعالى وفتنة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s