التدخُّل الإلهي المباشر من تجليات تسلُّطِ الله على الوجود

يتسلَّطُ اللهُ على الوجودِ بجبروتِهِ وكبريائِهِ تسلُّطاً تجلى في تلك الوقائعِ والظواهرِ والأحداث التي غيَّرَ بها مجرى التاريخ تغييراً ما كانت أسبابُ هذا الوجودِ وقوانينُه كلُّها جميعاً لتنجحَ في إحداثِه. صحيحٌ أنَّ هذه الأسبابَ والقوانينَ هي ما يكفلُ للوجودِ أن تجريَ وقائعُه وأحداثُه وظواهرُه على النحوِ الذي نعرف، إلا أنَّ للهِ تعالى أن يتسلَّطَ عليها التسلُّطَ الذي هو البرهانُ على أنَّ “كلمة اللهِ هي العليا”. فبمقتضى هذه السلطةِ الإلهيةِ المطلقة، فلن يكونَ بمقدورِ الوجودِ أن يستعصيَ على “أمرِ اللهِ إذا جاء”. فبمجيءِ أمرِ الله، يتجلى تسلُّطُ الله على هذا الوجود التسلُّطَ الذي جاءتنا سورةُ هود بآياتٍ يتكفَّلُ تدبُّرُها بتبيانِ ما بوسعِ هذا التسلُّط أن يُحدثَه من عجيبِ الأمورِ وغريبِها: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) (40 هود)، (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) (58 هود)، (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (66 هود)، (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُود) (82 هود)، (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (94 هود).
فإذا كانت الوقائعُ والأحداثُ والظواهرُ تحدثُ بسببٍ من تدخُّلٍ إلهي غيرِ مباشر في الوجود، فإنَّ للهِ تعالى أن يتدخَّلَ في هذا الوجودِ تدخُّلاً مباشراً أشارَ إليه القرآنُ العظيم بأنه مأجولٌ بأجلِ “مجيءِ أمرِ الله”. فبمجيءِ أمرِ الله يتجلى هذا التدخُّلُ الإلهيُّ المباشر تسلطاً للهِ على الوجود ينجمُ عنه ما ليس بمقدورِ مخلوقٍ أن يحولَ دون تحقُّقِ مرادِ اللهِ منه.
إنَّ تحديدَ قدرةِ اللهِ بما سبقَ له وأن خلقَه وفرضَه على الوجودِ من قوانينَ وأسبابٍ، ما هو إلا دليلٌ على أنَّ القائلَ بذلك لم يقدر اللهَ حقَّ قدرِه؛ إذ كيفَ يكونُ لمخلوقٍ أن يستعصيَ على أمرِ اللهِ إذا جاء؟! يتبيَّنُ لنا إذاً أن التدخُّلَ الإلهيَّ المباشر في وقائعِ وأحداثِ الوجودِ وظواهرِه هو من بين تجلياتِ تسلُّطِ اللهِ على هذا الوجود.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s