أنا أفكرُ مادمتُ حياً!

امتدحَ اللهُ تعالى “أولي الألباب” بما جاءتنا به سورةُ آل عِمران (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار) (190 -191 آل عمران).
يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ هاتين الآيتين الكريمتين ما للتفكُّرِ في خلقِ السمواتِ والأرضِ من قدرةٍ على الارتقاءِ بـ “حالِ” العبد مع اللهِ تعالى إلى مصافٍ تجعلُهُ من “أولي الألباب”. ولقد حرصَ القرآنُ العظيم على أن يُبيِّنَ لمتدبِّرِه هذا الذي بمقدورِ “التفكُّرِ” أن يُحقِّقَهُ لكلِّ مَن امتثلَ لأمرِ اللهِ تعالى وانصاعَ لما جاءَت به آياتُه الكريمة من تبيانٍ لما يقتضيهِ التديُّنُ الحق من إعمالِ فكرٍ وإدامةِ تفكُّرٍ (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (من 44 النحل).
ثم أنَّ اللهَ تعالى فصَّلَ آياتِ قرآنِه العظيم تفصيلاً يجدُ فيه العبدُ المتفكِّرُ ضالتَه فيطمئنُّ بذلك قلبُه ويزدادُ عقلُه يقيناً وإيماناً (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (من 24 يونس).
ولذلك نجدُ في عمومِ مساحةِ القرآنِ العظيم ما يحضُّ العبدَ على إدامةِ التفكُّرِ في كلِّ ما يمتدُّ إليهِ بصرُهُ من آثارِ رحمةِ اللهِ المتجلية حوالَيه أنى جالَ ببصرِهِ هذا (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (3 الرعد).
وبذلك يتبيَّنُ لنا أنَّ العبدَ الطامحَ لأن يكونَ من عبادِ الله الذين يمتدحُهم الله مُلزَمٌ بأن يُديمَ “التفكُّرَ” ويواظبَ عليه ما استطاعَ إلى ذلك سبيلا. أما عني، فإني أسترشدُ ما استطعت بما حفظتهُ لنا سورةُ مريم مما كان قد قاله إبنُها المسيح عليه السلام (‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) (من 31 مريم). فإذا كان على العبدِ أن يحرصَ على “الصلاةِ والزكاة” مادام حياً، فإنَّ من الحري به ألا ينسى نصيبَه من التفكُّرِ طالما كان تفكُّرُه هذا عبادةً كما أنَّ كلاً من الصلاةِ والزكاةِ عبادة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s