استجابةُ الدعاءِ وخَرقُ عوائدِ النفوس (2)

يُصِرُّ البعضُ على تحديدِ قدرةِ اللهِ بالأسبابِ والقوانين التي خلقها اللهُ ليَسيرَ بمقتضاها الوجودُ بإذنه! وهذا التحديدُ لقدرة الله، من وجهةِ نظرِ هؤلاء، هو ما ينبغي أن يكونَ عليه الإيمانُ بالله! فلا مجالَ هناك لـ “طارئٍ” يطرأ فيجعل هذه القوانينَ والأسبابَ غيرَ قادرةٍ على أن تفعلَ في الوجودِ ما خُلِقت لتفعلَه بإذنِ الله، حتى وإن كان هذا “الطارئُ” هو أمرُ الله!
وفي هذا ما فيه من تحكيمٍ للعقل فيما لا قدرةَ له على التحكُّمِ فيه! فأنى لهذا العقلِ أن يتحكَّمَ في الحدود التي ينبغي على قدرةِ اللهِ أن تتقيَّدَ بها؟! ألم يعلم هؤلاء أنَّ اللهَ قادرٌ على كلِّ شيء، وأنَّ قدرتَه تعالى مطلقةٌ فلا تحدُّها حدود؟! لقد جاءنا القرآنُ العظيم بما من شأنِهِ أن يُعينَ مُتدبِّرَه على أن يقدِرَ اللهَ حقَّ قدرِه فلا يقعَ فيما وقع فيه هؤلاء الذين بالغوا في تعظيمِ عقلِ الإنسان، وإلى الحد الذي خُيِّلَ إليهم معه أنَّ بمقدورِ هذا العقل أن يُحدِّدَ ما ليس بوسعِ قدرةِ الله أن تتجاوزَه وتتعداه!
إلا أنَّ هؤلاء المبالغين في تعظيمِ عقلِ الإنسان قد وقعوا في تناقضٍ صارخٍ مُبين بهذا الذي يقولون به من أنَّ قدرةَ اللهِ تعالى مُحدَّدةٌ بالقوانينِ والأسبابِ التي سبقَ له وأن خلقَها وفرضها على الوجودِ ليُسيِّرَ بها شؤونَه! فهؤلاءِ لا يجدونَ غَضاضةً في التوجُّهِ إلى اللهِ تعالى بالدعاء كلما عصفت بهم أزمة أو اشتدت عليهم ضائقة! أفلا يدركُ هؤلاءِ أنًّهم، وبهذا الإلحاحِ من جانبهم على اللهِ بالدعاء، إنما يناقضون أنفسَهم إذ أنَّهم يُريدون من اللهِ أن يُحقِّقَ لهم ما عجزوا هم عن الوصولِ إليه، أو الحصولِ عليه، من مُقدَّراتِ هذه الحياةِ الدنيا “بتدخُّلٍ مباشرٍ” من لدنه تعالى، ونسوا بذلك أنَّهم هُم مَن قيَّدوا قدرةَ اللهِ فجعلوها مُحدَّدةً بذاتِ الأسبابِ والقوانين التي يُريدون منه تعالى أن “يتسلَّط” عليها فلا يجعلَ لها عليهم سلطاناً؟!
ألا يدلُّ ذلك على أنَّ هؤلاءِ، وفي قرارةِ أنفسهم، موقِنون بأنَّ اللهَ تعالى “مُتسلِّطٌ” على أسبابِ الوجودِ وقوانينه؛ كيف لا وهو الذي خلقَ هذه الأسبابَ والقوانينَ، وهو القادرُ إن شاء على ألا يجعلَ لها سلطاناً على شيءٍ من هذا الوجود، فيتجلى بذلك “تدخُّلُه المباشر” برهاناً على أن ليس هناكَ ما بمقدورِهِ أن يحُدَّ من تسلُّطِه هذا؟!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s