مَن الذي “إليه يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ” ومن الذي يرفعُ العملَ الصالح؟ (١)

يتكفَّلُ بالإجابةِ على سؤال “مَن الذي “إليه يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ”، وكذلك على سؤال “ومن الذي يرفعُ العملَ الصالح؟”، تدبُّرُ ما جاءتنا به سورةُ فاطر في الآية الكريمة 10 منها (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ).
إذاً فإلى اللهِ يصعدُ “الكَلِمُ الطيب”، وهو تعالى الذي يرفعُ العملَ الصالح. ولكن كيف لنا أن نقعَ على معنى ما تقدم؟ وكيف بوسعِنا أن نُحيطَ بما ينطوي عليه هذا “الصعودُ” وهذا “الرفعُ” من معنى؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذين السؤالين أن نتدبَّرَ ما جاءتنا بها سورةُ الجاثية في آيتها الكريمة 29 (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون). فاللهُ تعالى لا يكتفي بما يقومُ به رسُلُه الكرام من توثيقٍ لأعمالِ بني آدم (إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) (من 21 يونس)، (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ. كِرَامًا كَاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (10- 12 الانفطار)، فهو تعالى يستنسخُ بنفسِهِ أعمالَ بني آدم، وذلك في كتابٍ “مهيمنٍ” على كلِّ كتابٍ توثَّقُ فيه أعمالُهم (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (29 الجاثية). ولكن ما هي قصةُ هذا الكتاب الذي تُشير إليه هذه الآية الكريمة بـ “كتابنا”؟
تقتضي الإجابةُ على هذا السؤال أن نستذكرَ الآيتين الكريمتين: (ِإنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) (3- 4 الزخرف). فاللهُ تعالى يُنبؤنا في قرآنِه العظيم بأنَّ “لديه” كتاباً سمَّاه قرآنُه العظيم بـ “أم الكتاب”. و”أم الكتاب” هذا هو من موجوداتِ عالمِ العرش. و”أمُّ الكتاب” هذا هو الذي جاءتنا بنبأٍ عنه سورةُ الرعد وذلك في الآية الكريمة 39 منها (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ).
إذاً فإن “أم الكتاب” هذا هو “عند الله” في عالمِ عرشِه! ولذلك فإنَّ العملَ الصالحَ يصعدُ إلى اللهِ ليستنسخَهُ اللهُ في عالَمِ عرشِه؛ هذا العالَمُ الذي تحفُّ به “الملائكةُ المقرَّبون”. وينسحبُ ذلك أيضاً على “العمل الصالح” الذي يرفعهُ اللهُ إليه في “عالَمِ عرشه” ليستنسخَه هو الآخر. فالملائكةُ الكرام، الذين كلَّفهم اللهُ بتوثيقِ أعمالِ بني آدم، متواجدون في عالَم السمواتِ والأرض والذي هو “عالَم كُرسي الله”. ولذلك فإنَّ اللهَ هو الذي يقوم بنفسِه بتوثيقِ واستنساخِ أقوال بني آدم الطيبة الصاعدة إليه، وأعمالِهم الصالحة التي يرفعها إليه هناك في عالَمِ عرشه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s