في معنى قوله تعالى “إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ”

حفظت لنا سورةُ يوسف ما كان قد انتهى إليه سيدُنا يوسف عليه السلام من إدراكٍ لحقيقةِ التسلُّطِ الإلهي على أسبابِ الوجودِ وقوانينِه، وذلك في الآية الكريمة ١٠٠ منها (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ). فسيدُنا يوسف لم يكن بغافلٍ عما يقومُ عليهِ هذا الوجودُ من هذه الأسبابِ والقوانين، ولكنه كان مُدركاً في الوقتِ ذاته لحقيقةِ خضوعِ الوجود، بأسبابِه وقوانينِه هذه، لحُكمِ اللهِ تعالى وأمرِه. صحيحٌ أنَّ هذا الوجودَ خاضعٌ لهذه القوانينِ والأسباب بإذنِ اللهِ تعالى، إلا أنه لا قدرةَ له على ألا يخضعَ لأمرِ الله الذي خلقَ هذه القوانينَ والأسباب وهو مَن له أن يتسلَّطَ عليها فلا يجعلَ لها من قدرةٍ على التأثيرِ في وقائعِه وأحداثِه وظواهرِه.
وهذا التسلُّطِ الإلهي على أسبابِ الوجودِ وقوانينِه يتجلى بتدخُّلٍ إلهي مباشر يتحقَّقُ بمقتضاهُ ما يريدُه اللهُ وإن كان في ذلك ما يتعارضُ أشدَّ التعارُضِ مع ما تقضي به هذه القوانينُ والأسباب! فالأمرُ لله، والحكمُ لله، واللهُ غالبٌ على أمرِه وهو القاهرُ المُهيمنُ الظاهرُ بتسلُّطِه. وهذا التدخُّلُ الإلهيُّ المباشرُ في وقائعِ وأحداثِ الوجودِ وظواهرِه له ألا يكونَ ظاهراً للعِيان كما أنَّ له أن يتجلَّى تجلياً لا تُخطِؤهُ عين. فما حدثَ لسيدِنا يوسف طيلةَ حياتِهِ، ومنذ أن كان طفلاً صغيراً وحتى جعلَهُ اللهُ عزيزَ مصرَ، كان صنيعةَ تدخُّلٍ إلهيٍّ مباشرٍ اتَّسمَ بما وصفَهُ عليه السلام بأنه من تدبيرِ ربٍّ لطيفٍ لما يشاء. فسيدُنا يوسف، وبعد أن تبيَّنَ له أنَّ اللهَ تعالى قد حقَّق رؤياه، أدركَ أنَّ ما حدثَ له طيلةَ سنِي حياتِه لم يكن إلا نِتاجَ هذا التدخُّلِ الإلهي المباشرِ اللطيف.
فكم للهِ من لطيفِ تدخُّلاتٍ في حياةِ عبادِه المؤمنين الصادقين يمرُّون عليها مرورَ الكرامِ حتى يأذنَ اللهُ فتتجلى لهم حقيقةُ هذا التلطُّفِ الذي ما فارقهم يوماً، والذي ما كانوا ليصلوا إلى ما وصلوا إليهِ من عزةٍ وتمكين لولاه! إنَّ كونَ اللهِ تعالى “لطيفٌ لما يشاء” حقيقةٌ من حقائقِ هذا الوجود الذي لا ينبغي أن نقصِرَ سلطةَ اللهِ على وقائعِه وأحداثِه وظواهرِه بما سبق وأن بثَّه فيه من قوانينَ وأسباب فيفوتَنا بذلك ما للهِ تعالى من عظيمِ تسلُّطٍ على هذه الأسبابِ والقوانين له أن يتجلى ظاهراً للعِيان، كما أن له أن يتجلَّى بهذا “التلطُّفِ الخَفي”!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s