في معنى قوله تعالى “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ”

تكفَّلت طائفةٌ من أسبابِ اللهِ وقوانينِه بتنظيمِ أمورِ هذه الحياةِ الدنيا وتسييرِ شؤونِها وفقاً لما سبقَ وأن قضت بذلك مشيئتُه. وما كان لهذه القوانينِ والأسبابِ أن تفعلَ فِعلَها في الوجود إلا بإذنٍ من اللهِ تعالى وإجازة. فالأمرُ ليس لهذا السببِ أو ذاك، أو لهذا القانونِ أو ذاك، حتى يكونَ له ما يتسلَّطُ به على شيءٍ من هذا الوجودِ إلا بإذن الله.
ويُخطِئُ كلُّ مَن يظنُّ ويتوهمُ أنَّ هذه الأسبابَ والقوانينَ لها القولُ الفصل فيما يجري في هذا الوجودِ من أحداث! صحيحٌ أنَّ اللهَ تعالى هو الذي سبقَ وأن خلقَ هذه الأسبابَ والقوانين، وسلَّطها على الوجودِ، وأجازَ لها أن تفعلَ ما تفعلُ بإذنِه، إلا أنَّ القولَ الفصلَ يبقى قولُ اللهِ الذي إن شاءَ أذِنَ لها بأن تفعلَ ما قدَّرَ لها أن تفعلَه، وإن شاء تدخَّلَ تدخُّلاً مباشراً فتسلَّطَ عليها بحُكمِهِ وأمرِه وكلماتِه. فاللهُ تعالى هو الغالبُ على أمرِه، وهو القاهرُ فوق خَلقِه، وهو المُهيمنُ على ما في السمواتِ والأرض، وهو الذي بيدِه ملكوتُ كلِّ شيء، ولذلك فإنَّ مَن يُحدِّدُ قدرةَ اللهِ تعالى على التدخُّلِ في أمورِ هذا الوجودِ وشؤونِه، بما سبقَ له تعالى وأن بثَّه فيه من قوانينَ وأسبابٍ، فإنه لم يقدِر اللهَ حقَّ قدرِه.
وعلى ضوءٍ مما تقدَّم فإن بمقدورِنا أن نتدبَّرَ ما جاءتنا به سورةِ يوسف، في آيتِها الكريمة 67، لنقعَ على بعضٍ من معنى “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ”: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ). فسيدُنا يعقوب عليه السلام كان يُدركُ ألا تدبيرَ لمخلوقٍ بمقدورِهِ أن يحولَ دون تسلُّطِ حُكمِ اللهِ وأمرِه؛ فهو وإن كان قد أعدَّ لبَنيهِ خطةً أوصاهم أن يدخلوا مصرَ بمقتضاها، فإنه كان مُدرِكاً في ذات الوقت لحقيقةِ كونِ اللهِ هو الآمرُ الذي يأتمرُ كلُّ ما في الوجودِ بأمرِه. فاللهُ إن شاءَ أجرى أسبابَه وقوانينَه التي سبق له وأن خلقَها فبثَّها في هذا الوجود، وإن شاءَ تسلَّطَ بحُكمِه وأمرِه عليها تسلُّطاً لا يجعلُ لها من سلطانٍ على شيءٍ من هذا الوجود.
إن العبارةَ الجليلة “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ” تنطوي على واحدةٍ من أعظمِ حقائقِ الوجود؛ فهذا الوجودُ يأتمرُ بأمرِ الله، ولذلك فليس لمخلوقٍ أن يعلمَ سلَفاً ما سيؤولُ إليهِ أمرُ شيءٍ من هذا الوجود. وفي هذه الحقيقةِ ما فيها من قدرةٍ على الارتقاءِ بإيمانِ العبد إلى ما ينبغي أن يكونَ عليهِ تفويضَ أمرٍ وجميلَ توكُّلٍ على الله الذي هو وحدَه مَن بيدِه مقاليدُ الأمورِ كلِّها جميعاً وهو الآمرُ الذي تُرجَع إليه الأمورُ كلُّها جميعاً، وليس لمخلوقٍ أن يستعصيَ على أمرِه تعالى. وينسحبُ هذا على كلِّ ما في الوجودِ من أسبابٍ وقوانينَ للهِ تعالى أن يتسلَّطَ عليها بحُكمِه وأمرِه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s