عالَمُ صاحبِ الجنَّتين وعالَمُ صاحبِه!

أمرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يضربَ للناسِ مثَلاً جاءتنا سورةُ الكهف بتبيانِ تفاصيلِه، فنقرأ في هذه السورة المباركة: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا. كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا. وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ) (32- من 34). فصاحبُ الجنَّتين هذا قد خُيِّلَ إليه أن ليس هناك في الدنيا إلا ما كان يظنُّ من أسبابٍ وقوانين تكفي العقلَ حتى يُعلِّلَ بالرجوعِ إليها لكلِّ ما في هذه الدنيا من وقائعَ وأحداث! ولذلك تراهُ ينظرُ إلى جنتَيه هاتين بعينِ هذا العقل فلا يرى في الآفاقِ ما قد يأتي عليهما بلمحِ البصر فيجعلهما قاعاً صَفصفاً (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا) (35 الكهف). فصاحبُ الجنَّتين لم يدرِك أنَّ هنالك ما يمكن أن يكونَ قد غابَ عن حُسبانِه، وذلك طالما كانت أسبابُ هذه الدنيا وقوانينُها هي في “ظنِّ عقلِه” كلُّ ما هنالك!
ولم يكتفِ صاحبُنا بهذا ولكنه حكمَ على المستقبل المجهول بما هو معلومٌ لديه من ظاهرِ هذه الحياةِ الدنيا، فقطعَ وجزمَ بألا آخرةَ هناك ولا بعثَ ولا نشورا، وأنه إذا ما رُدَّ إلى اللهِ فإنَّه واجدٌ خيراً من هاتين الجنتين (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) (36 الكهف). فصاحبُنا هذا قد ظنَّ متوهِّماً بأنَّ أسبابَ الدنيا وقوانينَها هي ذاتُها التي سوف تسري في الآخرة، ففاتَه بذلك أنَّ ما لم يتبيَّنه من باطنِ الحياةِ الدنيا سوف يتجلى له في الآخرةِ عالماً قائماً بغيرِ أسبابِ هذه الدنيا وقوانينِها.
قارن حالَ صاحبِ الجنَّتين هذا مع الله تعالى بحالِ صاحبِه الذي وإن كان يُدرِكُ أنَّ هذه الحياةَ الدنيا لا قيام لها إلا بما سبق للهِ تعالى وأن بثَّه فيها من أسباب وقوانين، فإنه كان مدركاً في الوقتِ ذاتِه لحقيقةِ تسلُّطِ اللهِ تعالى على هذه الأسباب والقوانين. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا لما نصحَ به صاحبَه صاحب الجنتين (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا) (39 الكهف). فهذا الرجل المؤمن موقنٌ بأنَّ اللهَ تعالى قادرٌ على أن يتدخَّلَ متى شاءَ تدخلاً مباشراً في أحداثِ الوجود يتجلى فيه مطلقُ هيمنته وعظيمُ سلطته على قوانينِ هذا الوجودِ وأسبابِه (فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا. أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا) (40- 41 الكهف). وهذا هو عينُ ما حدث! فلقد تدخَّلَ اللهُ تعالى تدخُلاً مباشراً نجمَ عنه ما فصَّلته وبيَّنته الآيتان الكريمتان التاليتان: (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا. وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا) (42- 43 الكهف).
فأيُّ العالمَين إذاً هو الأقربُ إلى ما هي عليه الأمورُ حقاً وحقيقة: عالمُ صاحبِ الجنَّتين الذي هو في مظنونِه عالمٌ قائمٌ بالأسبابِ والقوانين فحسب، أم عالَمُ صاحبِه القائمُ بهذه الأسبابِ والقوانين ما شاء اللهُ لها ذلك، والذي تبقى هناك على الدوامِ إمكانيةٌ لتدخُّلِ اللهِ المباشر في وقائعِه وأحداثِه وبما لا يجعلُ لهذه القوانينِ والأسباب ما يحولُ دونَ تجلِّي تسلُّطِ اللهِ عليه؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s